
منى بصت ليّ بدهشة.
— إنتِ فعلاً بتسيطري عليها!
لكن فرحتها ماكملتش.
لأن برج المراقبة رجع يتكلم.
والجملة اللي قالها خلت قلبي يقف.
— نادية… الشخص اللي طلب يكلمك بعت اسمًا واحدًا.
سكت لحظة.
ثم أكمل:
— ريم المنصوري.
بنتي.
إيدي اتجمدت فوق لوحة التحكم.
ريم؟
إزاي؟
هي المفروض مستنياني في الإسكندرية.
إيه علاقتها بكل ده؟
جالي صوتها بعد ثواني على الخط المباشر.
صوت ما سمعتوش من سنين طويلة.
— ماما…
قلبي انقبض.
— ريم؟!
— اسمعيني كويس… مفيش وقت.
كانت بتتكلم بسرعة ورعب.
— الراجل اللي كان مسؤول عن الحادثة القديمة اكتشف إنك عرفتي الحقيقة. ولما عرف إنك راكبة الرحلة دي… حاول يضمن إنك ما توصليش.
القمرة كلها سكتت.
حتى الكابتن.
ريم كملت:
— فيه شخص على الطيارة شغال معاه. وهو اللي زرع الجهاز اللي سبب الأعطال.
— مين؟!
لكن قبل ما تجاوب…
انقطع الاتصال فجأة.
وفي نفس اللحظة…
اتفتح باب القمرة بعنف.
التفتنا كلنا.
وكان فيه راجل واقف عند الباب.
واحد من الركاب.
لكن عينيه ماكانوش عيون راكب خايف.
كان ماسك حاجة معدنية صغيرة في إيده.
وباصص ناحيتي مباشرة.
ثم ابتسم.
وقال بهدوء مخيف:
— كان المفروض تموتي من 30 سنة يا نادية.
وفي اللحظة دي…
أدركت إن معركتنا ما بقتش مع الطيارة بس.
المعركة الحقيقية بدأت دلوقتي.
النهاية
الراجل وقف عند باب قمرة القيادة وابتسامة باردة على وشه.
— كان المفروض تموتي من 30 سنة يا نادية.
الكابتن شريف قام من مكانه بسرعة.
— إنت مين؟!
لكن الراجل تجاهله تمامًا.
كانت عينه مركزة عليّا أنا بس.
وفي إيده جهاز إلكتروني صغير.
عرفته فورًا.
جهاز إرسال وتشويش.
القطعة اللي كانت بتبعت أوامر لأنظمة الطيارة.
القطعة اللي حولت رحلة عادية إلى كارثة.
قلت وأنا ببص له بثبات:
— إنت كنت مستنيني.
ضحك.
— من يوم ما عرفنا إنك هتسافري.
— “إحنا” مين؟
اتسعت ابتسامته.
— الناس اللي دفنت الحقيقة زمان.
في اللحظة دي فهمت كل شيء.
الحادثة اللي دمرت حياتي من 30 سنة ما كانتش مجرد إهمال.
كانت عملية تغطية كاملة.
ولما بنتي ريم وصلت للملفات الأصلية واكتشفت الأدلة، عرفوا إن الحقيقة قربت تظهر.
فقرروا يسكتونا للأبد.
أنا.
وريم.
وكل اللي ممكن يشهد ضدهم.
لكن خطتهم وقعت في أكبر خطأ.
إنهم افتكروا إني لسه الست المكسورة اللي سابتها القوات الجوية من سنين.
فجأة تحرك الراجل ناحية أجهزة التحكم.
لكن قبل ما يوصلها…
قذفت مطفأة الحريق الصغيرة الموجودة جنب المقعد بكل قوتي.
اصطدمت بذراعه.
وقع الجهاز من إيده.
وفي نفس اللحظة انقض عليه الكابتن شريف وأحد أفراد الأمن الجوي اللي كان من بين الركاب ووصل للقمرة بعد سماع الصراخ.
خلال ثوانٍ كان مثبت على الأرض ومقيد.
لكن المشكلة الحقيقية لسه موجودة.
الطيارة.
كنا على ارتفاع منخفض جدًا.
ومعانا محرك واحد شبه متوقف.
ووقود بيتناقص.
بصيت للعدادات.
ثم للأرض البعيدة تحتنا.
وقلت للكابتن:
— مفيش وقت.
— نقدر ننزلها؟
سكت لحظة.
ثم قلت:
— هنحاول.
بدأنا آخر مناورة.
أخطر مناورة في حياتي كلها.
المحرك الأخير كان بيستجيب بصعوبة.
والطيارة بترتعش بعنف.
لكن متر وراء متر…
بدأنا نقترب من مدرج طوارئ عسكري قريب.
الركاب كانوا حابسين أنفاسهم.
والهدوء ملأ الطيارة بالكامل.
لحد ما…
سمعنا أول احتكاك.
إطارات الطائرة لمست الأرض.
قفزت مرة.
ثم مرتين.
وبعدين انزلقت بسرعة هائلة فوق المدرج.
شرر.
دخان.
صوت معدن بيصرخ.
ثم…
توقفت.
ساد الصمت.
ثانية.
ثانيتين.
ثلاث.
وفجأة انفجرت الطيارة كلها بالتصفيق والبكاء والصريخ.
ناس بتضحك.
وناس بتعيط.
وناس بتحضن بعض.
لأنهم ببساطة…
كانوا أحياء.
بعد ساعات، وصلت الشرطة العسكرية والنيابة.
وتم القبض على الرجل.
ومع التحقيقات ظهرت الحقيقة كاملة.
الملفات اللي أخفوها من 30 سنة.
الأدلة اللي برأتني.
الأسماء اللي كانت محمية بالنفوذ.
كلها خرجت للنور.
ولأول مرة…
تم إعلان براءتي رسميًا.
بعد 32 سنة كاملة.
أما ريم…
فلما شفتها في الإسكندرية أخيرًا…
وقفت قدامي وهي بتبكي.
وقالت:
— سامحيني يا ماما.
حضنتها.
وماقدرتش أقول غير:
— رجوعك ليا كفاية.
بعد شهور قليلة، رجعت كل حقوقي.
ورجعت أوسمتي.
ورجع اسمي للسجلات الرسمية.
لكن أغلى حاجة رجعتلي ما كانتش رتبة ولا وسام.
كانت بنتي.
وفي اليوم اللي وقفت فيه قدام البحر معاها، سألتني:
— لو رجع بيكي الزمن، كنتِ هتختاري نفس الطريق؟
بصيت للأفق.
وافتكرت السنين كلها.
ثم ابتسمت.
وقلت:
— لو الطريق ده هو اللي رجعك ليا في الآخر…
أيوه.
كنت هختاره تاني.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




