
وبص ليّ.
— مستحيل…
الملفات قالت إنها ماتت من زمان.
وفي اللحظة دي…
تجمد الدم في عروقي.
لأن الجملة دي معناها حاجة واحدة.
حد ما زال بيخفي الحقيقة.
وحد من الماضي…
لسه بيطاردني بعد كل السنين دي.
لكن قبل ما أسأله أي سؤال…
ظهر تحذير جديد على الشاشة.
وخلال ثانية واحدة فقط…
انطفأ أحد المحركين بالكامل.
واقتربت الطيارة من السقوط الحر.
الجزء الثالث
في اللحظة اللي انطفى فيها المحرك الأيمن…
الطيارة كلها اتقلبت فجأة ناحية اليمين.
صرخات الركاب هزّت المكان.
وأكواب العصير والأمتعة الصغيرة طارت من أماكنها.
أما داخل قمرة القيادة…
فكان الصمت أخطر من الصريخ.
منى بصّت للشاشة وهي مش مصدقة.
— لا… لا… لا…
الكابتن شريف شد نفس طويل.
ووشه بقى شاحب بشكل مرعب.
— فقدنا المحرك الأيمن…
بصيت بسرعة على العدادات.
الارتفاع كان بينزل.
والسرعة بدأت تتغير بشكل خطير.
لكن اللي شد انتباهي أكتر…
مش المحرك.
كان سبب توقفه.
قربت من الشاشة أكتر.
وبدأت أراجع البيانات اللي ظهرت قبل العطل بثواني.
وفجأة…
حاجة غريبة خلت قلبي يدق بعنف.
دي ما كانتش سلسلة أعطال طبيعية.
ولا حتى نتيجة إهمال في الصيانة.
فيه أوامر إلكترونية اتبعت للمحرك قبل ما يقف.
أوامر مقصودة.
رفعت عيني للكابتن.
— مين آخر فريق صيانة اشتغل على الطيارة؟
استغرب.
— ليه؟
— جاوبني.
منى فتحت سجل الرحلة بسرعة.
وبدأت تقرأ أسماء الفنيين.
لكن أول ما سمعت اسم الشركة المتعاقدة…
حسيت الأرض بتتهز تحتي.
نفس الشركة.
نفس الاسم.
نفس الجهة اللي كانت وراء الكارثة اللي دمرت حياتي من 30 سنة.
مستحيل.
بعد كل السنين دي؟
لسه موجودين؟
لسه بيشتغلوا؟
الكابتن لاحظ تغير ملامحي.
— إنتِ عرفتي إيه؟
لكن قبل ما أرد…
ظهر إنذار جديد.
أشد من كل اللي قبله.
منى شهقت.
— يا نهار أبيض…
بصينا كلنا للشاشة.
وفي لحظة واحدة…
ظهر تحذير باقتراب فقدان المحرك التاني.
لو المحرك الأخير وقف…
كل شيء هينتهي.
الطيارة هتتحول لكتلة معدن ساقطة من السماء.
ركابها 187 شخص.
مفيش حد هينجو.
ساعتها أخدت القرار.
بصيت للكابتن.
— اسمعني كويس.
— اتفضلي.
— لو عايز تنزل الطيارة دي على الأرض… لازم تنفذ أوامري بالحرف.
الكابتن سكت ثواني.
وبعدين هز رأسه.
— تمام.
مسكت الميكروفون الداخلي لأول مرة.
وكان صوتي بيوصل لكل راكب في الطيارة.
— معاكم نادية المنصوري.
يمكن محدش يعرفني.
لكن محتاجة منكم حاجة واحدة بس.
الهدوء.
مفيش صريخ.
مفيش حركة.
كل واحد يفضل مكانه مهما حصل.
لأننا لسه عندنا فرصة.
داخل المقصورة…
بدأت الأصوات تهدى تدريجيًا.
الناس كانت متعلقة بأي أمل.
حتى لو كان ضعيف.
قفلت الميكروفون.
وبعدين بدأت أشرح للكابتن خطة الهبوط الاضطراري.
إليك النص بعد تنقيحه وإزالة أي أجزاء أو روابط غير مرغوب فيها:
خطة مجنونة.
خطة نسبة نجاحها ضعيفة جدًا.
لكنها كانت الفرصة الوحيدة.
وبينما كنا بنجهز كل حاجة…
وصلت رسالة عاجلة من برج المراقبة.
منى قرأتها.
وفجأة اتجمدت مكانها.
— مستحيل…
الكابتن لف ناحيتها.
— فيه إيه؟
بصت ليّ مباشرة.
وكان الرعب واضح في عينيها.
— برج المراقبة بيقول إن فيه شخص على الأرض بيطالب بالتواصل مع نادية المنصوري فورًا…
شخص بيقول إنه يعرف الحقيقة اللي اتدفنت من 30 سنة.
وبيقول كمان…
إن العطل اللي حصل النهارده ما كانش حادث.
كان متخطط له.
وإن فيه واحد من الموجودين على متن الطيارة…
مش راكب عادي زي ما الكل فاكر.
في اللحظة دي…
شعرت ببرودة تسري في جسمي كله.
لأن الماضي اللي كنت بهرب منه طول عمري…
كان رجع يطاردني على ارتفاع 30 ألف قدم.
الجزء الرابع
الكلمات وقعت على القمرة كالصاعقة.
“فيه شخص على متن الطيارة متورط في اللي بيحصل.”
منى كانت لسه ماسكة السماعة.
أما الكابتن شريف فبص ليّ وكأنه مستني تفسير.
لكن الحقيقة؟
أنا نفسي ماكنتش فاهمة.
بعد 30 سنة من الصمت…
إزاي الماضي يرجع بالشكل ده؟
وفجأة رجع صوت برج المراقبة.
— لازم نهبط الطائرة فورًا. البيانات اللي عندنا بتؤكد إن العطل مش ميكانيكي بالكامل.
— تقصدوا إيه؟! — سأل الكابتن.
جاوب الصوت:
— فيه إشارات إلكترونية غير مصرح بيها اتسجلت داخل أنظمة الطائرة قبل بداية الأعطال بدقائق.
سكتت القمرة.
أنا كنت عارفة معنى الكلام ده.
حد عبث بالأنظمة.
حد كان عايز الطيارة تقع.
لكن ليه؟
وليه الرحلة دي بالذات؟
قبل ما حد يتكلم…
ظهر إنذار جديد.
المحرك الأخير بدأ يفقد قوة الدفع.
منى شهقت.
— إحنا بنخسر المحرك التاني!
بصيت للعدادات بسرعة.
كان معانا وقت قليل جدًا.
دقائق.
يمكن أقل.
لو استنينا نفهم المؤامرة هنموت كلنا.
— ركزوا معايا! — صرخت.
الكابتن رجع يركز في الأجهزة.
وأنا بدأت أستخدم فروق قوة الدفع البسيطة اللي لسه موجودة علشان نعدل اتجاه الطيارة.
كانت مناورة خطيرة.
وأي خطأ صغير ممكن يقلب الطيارة بالكامل.
لكن الغريب إن الطيارة بدأت تستجيب.
ببطء.
وبصعوبة.
لكن تستجيب.
ولأول مرة من بداية الكارثة…
بدأ الأفق قدامنا يرجع لمكانه الطبيعي.




