
يقول أحد الإخوة في اليمن، حصل اليوم أمام عيني؛ كنت في طريقي من سوق عنس وتوقفت في حراج الصافية لشراء أشياء تخصني، وإذا بي أرى امرأة في منتصف عمرها تحمل أسطوانة غاز على رأسها وبجانبها طفلان وفتاة في الخامسة عشرة من عمرها تقريبا. كانت الأم واقفة في الحراج تريد بيع أسطوانة الغاز لمن يدفع لها قيمتها بدون بخس، فجاء رجل وأعطاها 14000 يمني لكنها رفضت وقالت أنا شريتها بكذا وأريد بيعها لأجل أن أحاسب صاحب البيت الإيجار. ثم جاء آخر وعرض عليها 16000 وكادت أن تبيعها لكنها كانت حزينة على بيعها لأن الحاجة وحق الإيجار أجبراها على بيع تلك الأسطوانة التي لا تملك غيرها كما ذكرت.
وإذا برجل كان قريبا من المكان وكان يسمع الحوار الذي دار بينها وبين المشترين، وإذا به يقترب منها ويقول: بكم الدبة الغاز يا أمي بكل أدب وكل احترام وكل إنسانية. قالت: بعشرين ألف، وقالت له بحزن: علي إيجار البيت وصاحب البيت أعطاني إنذار يومين أحاسب إيجاره ولا أخرج من البيت وما معي حد إلا الله وأنا أم أيتام ما في حد يشقى علينا. قال لها الرجل: يا أمي الدبة هذه أصلية وتسوى أكثر لا تفرطي بها. قالت: ما أعمل يا ابني؟ فقال لها: أنا أشتري منك الأسطوانة بقيمتها الحقيقية يا أمي، وأخرج 100000 ريال يمني وأعطاها للأم أمام ذهول الحاضرين.
بكت الأم من الموقف فقام بمسح دموعها بمنديل وقال: يا أمي مالك تبكي هذه قيمة حقك الأسطوانة بس. قالت: يا ابني فرجت همي الله يفرج همك. فرد الرجل: لا لا هذه قيمة الأسطوانة فقط ولي منك طلب. قالت: ما هو يا ابني؟ قال: ممكن تخلي هذه الأسطوانة عندك أمانة لوما أرجع من الغربة أنا مغترب ومسافر بكرة. قالت: ما تعرفني ولا أعرفك كيف ترجع لها؟ قال: كم رقم صاحب البيت؟ أنا لما أرجع باتصل له وأقول له يقول لك تديها. ثم أخرجت ورقة فيها رقم صاحب البيت، فقام بالاتصال بصاحب البيت وقال له: ارسل اسمك باحول لك إيجار خالتي أم فلان. قال له: عندها حق شهرين 50000. قال له: باحول لك حق ستة أشهر الآن وأعط خالتي سند الحوالة.
فرحت الأم وبكت وانهارت في الشارع وتجمع الناس وأنا أراقب الموقف بدهشة. ثم قام الرجل الطيب بأخذها إلى الشارع المقابل للحراج حيث كانت سيارته وبداخل السيارة أمه وزوجته وأطفاله. يا الله من هذا الرجل وأي قلب يحمل وأي سخاء وكرم يملك! انذهلنا جميعا وشدنا الفضول للحاق به إلى الشارع المقابل. هناك قام الرجل بشراء أسطوانتين إضافيتين للأم وقال: هذولا لك مني ومن أمي ومن زوجتي. ثم أعطاها 100000 ريال يمني أخرى وجوال محمول وقال لها: ارجعي بيتك يا أمي مرفوعة الرأس، أنا الآن بحول لصاحب البيت إيجار ستة أشهر صومي رمضان مرتاحة وأنا باتصل بك لو احتجت شيئا، أنت من اليوم أمانة في رقبتي أنت وأطفالك.
ثم ذهب إلى محل صرافة قريب من السوق وبعد بضع دقائق جاء ومعه سند حوالة باسم صاحب البيت بقيمة 200000 ريال وقال لها: حاسبته حق شهرين من أول 50000 ودفعت له 150000 حق ستة أشهر. ونزلت امرأة من سيارة الرجل للأم وأعطتها مبلغا آخر وقامت بتقبيل رأس الأم المسكينة. عرفنا أن من نزلت من السيارة لتقبيل رأس الأم المسكينة كانت أم ذلك الرجل الطيب، يعني هي من ربت هذا الرجل على حب المساكين. كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو ويقول: (اللهم ارزقني حب الضعفاء). لذلك حب المساكين والضعفاء تربية إسلامية وإنسانية. موقف يقشعر له الأبدان، موقف إنساني لم أرى مثله، موقف إيماني، موقف رجولي، موقف أصيل. تمت.




