
# المولد – بقلم زهرة الربيع أمي أخدت أختي الكبيرة تفسحها في المولد، وبعد ساعتين رجعت من غيرها وقالت إنها تاهت. الغريب إنها لا عيطت ولا صرخت، ولا حتى راحت تعمل بلاغ. ودلوقتي، بعد 8 سنين، دخلت عليا وقالتلي بهدوء غريب: “البسي يا عبير… هفسحك في المولد!”
لما كان عمري تسع سنين، حصلت على طريق السكة الحديد، واتغيرت حياتنا بعدها تمامًا. كنا أنا وأحلام أختي الكبيرة قريبين من بعض جدًا، بناكل من طبق واحد، ونقضي معظم وقتنا مع بعض، وكل واحدة فينا كانت بتطمن التانية لما الدنيا تضيق.
بعد أيام، أعمامي جم لأمي وقالوا إن مفيش لها نصيب في أملاك العيلة، وإن الأفضل ترجع ببناتها لبيت أبوها.
أمي ما ردتش عليهم.
ومن يومها عشنا مع جدتي في بيتها القديم على أطراف البلد.
جدتي كانت هي كل حياتنا. هي اللي بتجيب لنا اللبس، وتنزل السوق، وتجهز لنا الأكل، وتسرح لنا شعرنا قبل المدرسة.
أما أمي، فكانت موجودة معانا، لكن أغلب الوقت كانت ساكتة، تقعد بالساعات قدام الطبلية الخشب وتبص للحيطة.
أنا وأحلام كنا بنخاف من صمتها، فكنا بنلجأ لبعض.
وكانت أحلام دايمًا تقول لي:
“ما تسيبيش إيدي يا عبير، طالما إحنا مع بعض محدش يقدر يعمل لنا حاجة.”
عدت سنتين من غير ما نخرج تقريبًا من البيت إلا للمدرسة.
وفي ليلة من ليالي المولد، كنا قاعدين أنا وأحلام في الأوضة بنراجع دروسنا على ضوء اللمبة.
فجأة، الباب اتفتح بالراحة.
دخلت أمي.
بصت لأحلام وقالت:
“أحلام… البسي عشان هفسحك في المولد.”
أحلام فرحت جدًا.
بقالنا سنتين ما شفناش فرحة المولد.
أنا بصيت لأمي وقلت:
“وأنا يا أمي؟ ليه مش هروح معاكم؟”
قالت بهدوء:
“هخدك مرة تانية.”
أحلام بصتلي، ولأنها كانت عارفة إني نفسي أروح، قالت:
“طب ما نخليها تيجي معانا يا أمي؟ نلعب سوا.”
لكن أمي ردت بحزم:
“أنا قلت البسي.”
أحلام سكتت.
لبست فستانها الأزرق، وخرجت مع أمي.
وأنا فضلت قاعدة على السرير.
قلبي كان مقبوض من غير ما أفهم السبب.
عدت ساعتين.
وبعدين سمعت باب البيت بيتفتح.
خرجت بسرعة.
لقيت أمي داخلة لوحدها.
جدتي خرجت من المطبخ وقالت:
“فين أحلام؟”
أمي ردت:
“تاهت مني… وملاقيتهاش.”
جدتي اتصدمت.
سألتها:
“إنتِ خدتيها المولد؟”
قالت:
“أيوه.”
وسكتت.
ومن اليوم ده، أحلام اختفت من حياتنا.
مرت 8 سنين.
كبرت وبقيت عندي 19 سنة، لكني ما نسيتش أختي.
كرهت المولد، وكرهت أصوات الأغاني والأنوار والمراجيح.
بالنسبة لي، المولد كان المكان اللي اختفت فيه أختي.
وبعد كل السنين دي، اتقدم لي شاب من البلد اسمه محمود.
كان شاب محترم، شغال في صيدلية، وقال إنه هيجهز شقته ونتجوز.
جدتي وافقت.
وأمي وافقت.
ولأول مرة حسيت إن حياتي ممكن تبدأ من جديد.
لكن تاني يوم الصبح، صحيت على إيد أمي وهي بتحرك كتفي بالراحة.
فتحت عيني.
لقيتها واقفة فوق راسي.
نفس النظرة القديمة.
ونفس الهدوء الغريب.
قالت:
“قومي البسي يا عبير… هاخدك أفسحك في المولد.”
اتجمدت مكاني.
نفس الجملة.
نفس المكان.
نفس الطريقة.
المرة دي ما سألتش.
لبست هدومي وروحت معاها.
كنت مستعدة أعرف الحقيقة مهما كانت.
## الفصل الثاني: المولد اللي رجّع الأسرار
خرجت من البيت ورا أمي.
كنا ماشيين في الطريق الترابي اللي حافظاه من وأنا صغيرة.
كل حاجة كانت مألوفة.
نفس البيوت.
نفس الأشجار.
نفس الطريق اللي كنت بمشيه مع أحلام.
لكن المرة دي كنت رايحة للمولد.
بصيت لأمي وقلت:
“إحنا رايحين فين؟”
قالت:
“المولد.”
قلت:
“عارفة… بس فين بالظبط؟”
ردت:
“هتعرفي لما نوصل.”
الجملة دي رجعتني لسنين فاتت.
كل ما كنت أسألها عن أحلام، كانت تقول:
“لما تكبري هتعرفي.”
كبرت.
ولسه ما عرفت.
بعد شوية بدأنا نسمع أصوات الطبول والمزمار وضحكات الأطفال.
وبانت الأنوار من بعيد.
المولد.
وقفت مكاني.
نفس المراجيح.
نفس الزحمة.
نفس الباعة.
نفس رائحة الحلوى والذرة المشوية.
لكن بالنسبة لي، المكان كله كان مرتبط بأحلام.
أمي كملت مشي.
قلت:
“استني.”
وقفت.
قلت لها:
“أنا خايفة.”
لأول مرة شفت في عينها حاجة صغيرة شبه الوجع.
قالت:
“الخوف هو اللي مخليكي مش فاهمة.”
قلت:
“فاهمة إيه؟”
ما ردتش.
دخلنا المولد.
كانت ماسكة إيدي بقوة.
قلت:
“إنتِ ماسكة إيدي ليه؟”
قالت:
“عشان ما تضيعيش.”
بصيت لها.
وقلت:
“زي أحلام؟”
أمي وقفت.
بصت حواليها.
وبصوت منخفض قالت:
“مش هنا.”
“ليه؟”
“الناس بتسمع.”
“مين الناس؟”
ما ردتش.
شدتني ومشينا بعيد عن الزحمة.
دخلنا شارع جانبي، وبعد حوالي عشر دقايق وصلنا لبيت قديم مهجور.
كان البيت مبني بالطوب الأحمر، وبابه خشب قديم، وفي شباك مكسور.
أمي وقفت قدامه.
قلت:
“إحنا جايين هنا ليه؟”
قالت:
“قبل ما ندخل، عايزاكي توعديني بحاجة.”
“إيه؟”
“مهما شفتي ومهما سمعتي… ما تخافيش.”
ضحكت بتوتر.
وقلت:
“هو إحنا داخلين مكان غريب.”
بصت لي وقالت:
“يا ريت الموضوع يكون بسيط.”
فتحت الباب.
دخلنا.
البيت كان مليان تراب ورطوبة.
دخلنا أوضة كبيرة.
وكان فيها كرسي خشب.
أمي راحت ناحية الحيطة، ورفعت ستارة قديمة.
ظهر باب صغير مخفي.
قالت:
“ادخلي.”
فتحت الباب.
كان وراه سلم نازل لتحت.
نزلنا درجات قليلة، لحد ما وصلنا لقبو صغير.
كان فيه صندوق خشب فوق ترابيزة.
أمي طلعت مفتاح من جيبها وفتحت الصندوق.
ولما رفعت الغطا…
شفت فستان أزرق.
فستان أحلام.
نفس الفستان اللي كانت لابساه يوم المولد.
مديت إيدي ولمسته.
وفي جيبه لقيت مشبك شعر قديم.
مشبك أحلام.
سألتها:
“إنتِ كنتي محتفظة بده؟”
ما ردتش.
قلت:
“أحلام فين؟”
قالت:
“أنا ما قلتش إنها اختفت للأبد.”
بصيت لها.
“يعني إيه؟”
قالت:
“أحلام كانت موجودة.”
“فين؟”
“في مكان بعيد.”
“ليه؟”
سكتت.
وبعدين طلعت مجموعة صور قديمة.
في واحدة منهم كانت أمي واقفة جنب رجل كبير في السن.
سألت:
“مين ده؟”
قالت:
“اسمه الحاج سالم.”
“كان يعرف أبويا؟”
“كان شريكه.”
بصيت للصورة مرة تانية.
وقلت:
“طيب إيه علاقته بأحلام؟”
أمي سكتت.
وبعدين قالت:
“أبوكي كان عارف سر كبير.”
“سر إيه؟”
“أرض.”
“أرض؟”
“أبوكي كان عنده أوراق مهمة تخص أرض كبيرة، وكان فيه ناس عايزين يوصلوا للأوراق دي.”




