منوعات

جوزى المليونير

هتقعد معانا فترة.
ضحكت من الصدمة.
إنت بتهزر؟
لأ.
وبدأ يحكي لي.
كان قابل سنية في جمعية خيرية الصبح.
الست عايشة في الشارع بقالها سنين طويلة.
لكن قصتها ما كانتش عادية.
هي نفسها مش عارفة هي مين.
مش فاكرة اسمها الحقيقي.
مش فاكرة أهلها.
مش فاكرة جوزها أو ولادها.
كل اللي فاكرته إنها من حوالي عشرين سنة صحيت في مكان غريب جنب ورشة قديمة، وكانت مصاپة ومش عارفة وصلت هناك إزاي.
ومن وقتها عاشت في الشارع.
الناس اللي حواليها بدأوا ينادوها سنية، وهي قبلت الاسم.
بصيت لها باستغراب.
وإنت جبتها هنا ليه؟
لأنها محتاجة مكان آمن.
ممكن نحجز لها أوضة في فندق.
ممكن.
طيب؟
بس أنا اخترت إنها تقعد هنا لحد ما نعرف هي مين.
سنية اتحركت ناحية الباب بسرعة.
خلاص يا ابني، أنا همشي. مش عايزة أعمل مشكلة بينك وبين مراتك.
أحمد وقفها.
حضرتك مش هتمشي.
وبعدين بص لي.
مريم، جهزت لها الحمام فوق. ساعديها تستحمى.
افتكرت إني سمعت غلط.
نعم؟
إنتِ سمعتي.
عندنا ناس في البيت ممكن تعمل ده.
أحمد بص لي بنظرة مختلفة.
وده بالظبط اللي مش عايزه.
يعني إيه؟
الصبح كنتِ بتتكلمي عن الناس اللي في الشارع وكأنهم أقل مننا. دلوقتي واحدة منهم واقفة قدامك ومحتاجة مساعدة، ومش قادرة حتى تبصي لها.
اتضايقت جدًا.
أنا مش متعودة على الحاجات دي.
هي مش محتاجة دكتورة ولا ممرضة. محتاجة حد يعاملها كإنسانة.
سكت شوية، وبعدين قال
لو مساعدة إنسانة حاسة إنها أقل منك، يبقى يمكن محتاجة تعرفي معنى الرحمة أكتر.
الكلام وجعني.
لكن بدل ما أرد، طلعت على فوق.
سنية دخلت الحمام ووقفت جنب البانيو.
أنا طلعت جوانتي مطاط من تحت الحوض ومديته لها.
حطي هدومك هنا.
بصت لي.
أنا أقدر أستحمى لوحدي.
عارفة، بس خليني أساعدك.
دخلت سنية البانيو.
بدأت أغسل شعرها وكتفها.
المية بقت غامقة من التراب.
كنت بحاول ما أبينش أي اشمئزاز.
لحد ما حطيت الإسفنجة على كتفها.
مسحت طبقة تراب سميكة
وفجأة ظهرت علامة صغيرة على شكل هلال.
إيدي اتجمدت.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
بصالشرفة، نشرب شاي، ونحكي. في يوم قالتلي وهي بتبتسم
تصدقي يا مريم؟ طول السنين دي وأنا في الشارع، كنت كل يوم أدعي ربنا ينجّيني من اللي حصل، ويرجعلي بنتي. وما كنتش أعرف إن ربنا هيرجعني لكِ بالطريقة دي، وإنكِ تكوني السبب في رجوع الحق.
حضنتها، وقلت لها
الحمد لله اللي رجعك لي. وكل اللي حصل ده علمني حاجة مهمة جدًا إن الفلوس ممكن تشتري كل حاجة إلا الحقيقة. وإن الحق مهما طال بياخد مجراه. وإن اللي بيعمل شرّ، مهما كان قوي، في يوم بينكشف.
بقيت أروح أحيانًا أزور أحمد في السچن مش عشان أسامحه، لكن عشان أعرفه إني نسيت الماضي وبدأت حياة جديدة، وإن الحقيقة انتصرت. كان كل مرة يشوفني يبكي ويقول إنه نادم، وكنت أقوله الندم ما بيرجع اللي راح يا أحمد. لكن الحياة مستمرة، وكل واحد ياخد جزاءه.
الخاتمة
مرت سنين، وأنا بقيت عندي بنت اسميتها فاطمة على اسم أمي. وكبرت وشافت الدنيا، وكنت أحكي لها الحكاية كلها لما كبرت، عشان تعرف إن الظلم عمره ما يدوم، وإن العدالة مهما تأخرت تيجي.
والهلال اللي كان سبب كشف كل حاجة؟ بقيت أحكي القصة لمن يسأل
ده علامة من ربنا. حطّها على كتف أمي عشان لما الوقت يجي، أعرفها بيها. وكل ما أشوفها، أتذكر إن الحقيقة ممكن تختفي سنين، لكنها ټموت أبدًا.
ما رجعتش أشوف القصر الكبير اللي عشت فيه 15 سنة إلا من بعيد، لما أعدّي الطريق اللي فيه. وكان كل ما أشوفه أتذكر القصور والفلوس والجاه كلها حاجات زائلة. لكن اللي بيدوم هو الحق، والصدق، والناس اللي بنحبهم واللي بيحبونا بصدق.
وهكذا انتهت الحكاية حكاية أم رجعت من وراء الزمن، وحقيقة دفنت عشرين سنة وطلعت تشرق كالشمس، ودرس تعلمته إنك مهما كنت قويًا، مهما كنت غنيًا، مهما استطعت تخبّي حقيقتك في يوم من الأيام، الدنيا بتدور، والسر بيبان، وكل واحد يلاقي اللي عمله.

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى