
أنا وأختي الصغيرة كنا رايحين لقصر واحد من أغنى رجال الأعمال في مصر، وقلنا له إننا ممكن ننضف له الجناينة مقابل شوية أكل فاضل لأن أختنا الكبيرة كانت تعبانة، وإحنا بقالنا كذا يوم مش لاقيين ناكل وجبة عدلة.
بس لما لقينا دبلة ألماس كانت مرات الراجل المتوفيّة ضايعاها من سنين، ورجعناها له بدل ما نبيعها، الراجل عمل مكالمة خلت الدم ينشف في عروقي.
هو كان بيدي لحد عنوان بيتنا بالحرف
مع إن ولا أنا ولا أختي كنا قولناله إحنا ساكنين فين.
كان عندي 11 سنة وقتها.
وأختي الصغيرة سلمى كان عندها 8 سنين.
أما أختنا الكبيرة نور، فكانت آخر حد فاضل لينا في الدنيا.
نور كان عندها 19 سنة بس.
المفروض في السن ده تكون بتفكر في الكلية، وصحابها، ومستقبلها، وحاجات كتير بتحلم بيها أي بنت في عمرها.
لكن بعد ما بابا وماما ماتوا، نور سابت تعليمها واشتغلت في تنظيف البيوت هنا وهناك، علشان تقدر تصرف علينا وتخلينا التلاتة عايشين مع بعض.
ورغم كل اللي حصل، كان عندها حلم واحد عمرها ما بطلت تتكلم عنه.
كانت نفسها تدخل تمريض.
كل ما نتكلم عن المستقبل كانت تبتسم وتقول لنا
يوم من الأيام هرجع أكمل دراستي وأدخل تمريض. استنوا بس.
لكن في يوم، نور تعبت.
في الأول قالت إنها مرهقة من الشغل.
وبعد كام يوم، بقت مش قادرة حتى تمشي من أوضة لأوضة من غير ما تسند على الحيطة.
الفلوس اللي كانت معانا خلصت بسرعة.
والأكل بدأ يخلص أسرع.
تلات أيام كاملة، أنا وسلمى كنا عايشين تقريبًا على العيش.
ونور؟
كانت بتاكل أقل مننا.
وفي صباح يوم، دخلت عليها لقيتها تحت البطانية وجسمها بيرتعش، ومع ذلك أول ما شافتني قالت
أنا كويسة يا حبيبي متقلقش.
بس أنا المرة دي عرفت إن الموضوع مش هينفع يستنى.
لازم نعمل أي حاجة.
أنا وسلمى خرجنا من البيت ومشينا لحد أغنى منطقة عمرنا ما دخلناها قبل كده.
بيوت ضخمة.
عربيات فارهة.
بوابات عالية.
لحد ما وقفنا قدام قصر ضخم جدًا، كان صاحبه رجل أعمال مشهور اسمه كمال الشناوي.
راجل كبير في السن، وبيقولوا إن ثروته بالمليارات، وإنه بنى إمبراطورية كبيرة في مجال النقل والمواصلات.
القصر كان تحفة.
لكن الجناينة؟
كانت حالتها تصعب على الكافر.
شجر متشابك، حشائش طالعة في كل حتة، وفروع ناشفة مغطيّة الممرات.
بصيت لأختي وقلت
استني هنا.
وقربت من البوابة الحديد وخبطت.
استنيت شوية
وبعدها ظهر كمال بنفسه.
كان ماسك عصاية، وبص لنا من فوق لتحت.
هدومنا كانت قديمة ومبهدلة،
-
اختي سارةمنذ 56 دقيقة
-
ايد بنتي حكايات زهرةمنذ ساعتين
-
اتجوزت واحد متجوزمنذ ساعتين
-
الرجل العجوزمنذ ساعتين
وشكلنا كان واضح إنه مش شكل عيال جايين يطلبوا خدمة عادية.
قال بحدة
لو جايين تشحتوا فلوس، وفروا كلامكم.
بلعت ريقي وقلت
إحنا مش عايزين فلوس يا بيه.
بص لي باستغراب.
قلت وأنا بشاور على الجناينة
إحنا ممكن ننضف الجناينة دي كلها وإنت تدينا الأكل اللي هيفضل عندك. أي حاجة مش محتاجها.
فضل ساكت شوية.
كان بيبص لي كأنه مش مصدق اللي بيسمعه.
وبعدين فتح البوابة وقال
ماشي نشوف هتستحملوا قد إيه.
دخلنا.
فضلنا ساعتين بنشيل الحشائش، ونلم الفروع، وننضف الممرات.
سلمى كانت بتشتغل جنبي من غير ما تشتكي.
وكمال كان واقف على البلكونة بيراقبنا في صمت.
لحد ما فجأة سمعت سلمى بتنادي
يا ياسين! تعالى بسرعة!
جريت عليها.
لقيتها قاعدة جنب شجرة ورد قديمة، وإيديها مليانة تراب.
وفي كف إيدها
كان فيه خاتم.
مش خاتم عادي.
ألماسة كبيرة كانت بتلمع وسط التراب.
قلبي دق بسرعة.
بصيت للخاتم، وبعدها بصيت لسلمى.
هي كمان فهمت.
الخاتم ده ممكن يجيب أكل يكفينا فترة.
ممكن نشتري الدوا لنور.
ممكن حتى يخلينا نرتاح شوية من الرعب اللي عايشين فيه.
سلمى بصت لي وقالت بصوت واطي
ممكن نبيعه.
فضلت ساكت وأنا ببص للخاتم.
ثواني عدت.
وبعدين هزيت راسي.
لأ.
ليه؟
عشان مش بتاعنا.
رجعنا لكمال والخاتم في إيدينا.
وأول ما شافه
وشه اتغير تمامًا.
الحدة اللي كانت في عينيه اختفت.
قرب مننا بسرعة على قد ما يقدر، وبص للخاتم كأنه شاف شبح.
وقال بصوت مبحوح
خاتم مراتي
سكت لحظة.
وبعدين همس
ده اختفى من سبعتاشر سنة.
بص لي في عيني.
إنت كنت عارف إن ده خاتم ألماس؟
هزيت راسي.
أيوه يا بيه.
وعارف إنه غالي؟
أيوه.
فضل باصص لي.
وبعدين سأل
ومع كده رجعته؟
بصيت له وقلت ببساطة
هو مش بتاعنا.
كمال فضل ساكت فترة طويلة.
وبعدين سألني فجأة
أختكم تعبانة قد إيه؟
بدأت أحكيله عن نور، وعن تعبها، وعن إن الفلوس خلصت، وإننا بقالنا كام يوم تقريبًا مش لاقيين ناكل.
لكن قبل ما أكمل كلامي
كمال دخل البيت.
وبعد ثواني رجع ماسك تليفونه.
رفع السماعة واتصل بحد.
بصيت له باستغراب.
إنت بتكلم مين؟
قال وهو مركز في المكالمة
حد عليه جميل ليا.
وبعدين قال عنوان.
عنوان كامل.
اسم الشارع
رقم العمارة
ورقم الشقة.
اتجمدت مكاني.
أنا عارف العنوان ده كويس.
ده عنوان بيتنا.
كل حرف قاله كان عنواننا.
بصيت لسلمى.
هي كمان كانت واقفة مش فاهمة حاجة.
أنا عمري ما قلت لكمال إحنا ساكنين فين.
ولا سلمى قالت.
ولا حتى نور.
بعد ما قفل المكالمة، بصيت له وأنا حاسس إن قلبي وقع في رجلي.
قلت
يا أستاذ كمال
هو نزل التليفون ببطء.
بص لي.
وبعدين بص لسلمى.
والحاجة اللي شفتها في عينيه وقتها خلت معدتي تتقبض.
لأن فكرة مرعبة ضربت دماغي فجأة
كمال الشناوي ماكنش شايفنا لأول مرة النهارده.
هو كان عارف إحنا مين من قبل ما نخبط على بابه.
والأخطر من كده
كان عارف إحنا ساكنين فين…. لمتابعه القصه كامله لايك اتسعت عيني وأنا ببص لكمال، ومقدرتش أطلع كلمة.
هو لاحظ خوفي، لكنه ما حاولش يهرب بعينيه المرة دي.
بالعكس
فضل واقف قدامي كأنه مستني مني سؤال.
وأخيرًا قلت بصوت مرتعش
إنت عرفت عنواننا إزاي؟
كمال ما ردش.
اتجه ناحية الكرسي الموجود في الصالة، وقعد ببطء، وحط عصايته جنبه.
وبعدين قال
قبل ما أجاوبك عايزك تجاوبني على سؤال.
بلعت ريقي.
إيه؟
مال بجسمه لقدام وقال
أختك الكبيرة اسمها نور صح؟
حسيت إن الأرض اتحركت من تحتي.
أنا وسلمى بصينا لبعض.
قلت بسرعة
إنت تعرف نور منين؟
كمال سكت.
وبعدين مد إيده ناحية درج صغير جنب الكرسي، وطلّع منه صورة قديمة.
حطها قدامي على الترابيزة.
أول ما شفت الصورة
نفسي اتقطع.
كانت صورة لبابا.
بابا اللي مات من سنين.
وكان واقف جنب كمال.
لكن المفاجأة مش هنا.
في الخلفية كانت واقفة ست شابة
ولابسة نفس الخاتم اللي لسه رجعناه.
خاتم مرات كمال.
قربت من الصورة وأنا مش مصدق.
ده أبويا.
كمال هز راسه ببطء.
أيوه.
سلمى قربت مني وقالت
يعني بابا كان يعرفك؟
كمال بص لنا، وصوته اتغير
أبوكم ماكانش مجرد شخص أعرفه.
سكت لحظة.
ثم قال
أبوكم أنقذ حياتي من عشرين سنة.
حسيت إن عندي ألف سؤال.
لكن قبل ما أسأله، تليفونه رن.
بص للشاشة
وفجأة تغير لون وشه.
رد وقال
أيوه؟
سمعنا صوت الطرف التاني، لكن ما قدرناش نفهم الكلام.
كمال وقف فجأة.
إيه؟
سكت.
ثم قال بصوت منخفض
إنت متأكد؟
وبعد ثواني
قفل المكالمة.
بص لنا، وقال
لازم نروح بيتكم دلوقتي.
اتخضيت.
ليه؟
كمال مسك عصايته.
لأن الشخص اللي بعتّه هناك لقى حاجة كان أبوكم مخبيها من سنين.
سلمى مسكت إيدي بقوة.
قلت
حاجة إيه؟
كمال بص في عيني مباشرة.
حاجة لو وقعت في إيد الشخص الغلط ممكن تدمّر حياتكم أنتم التلاتة.
خرجنا من القصر بسرعة.
وأنا طول الطريق كنت بفكر في حاجة واحدة
إيه علاقة أبويا بكمال؟
وليه مرات كمال ضيّعت خاتمها من سبعتاشر سنة؟
وليه الخاتم ظهر النهارده بالذات؟
لكن لما وصلنا الشارع
وقبل ما عربيتنا توقف قدام بيتنا تمامًا
شفت باب شقتنا مفتوح.
ونور
كانت واقفة عند الباب وهي بتصرخ
ياسين! سلمى! متدخلوش!
اتجمدت في مكاني.
لأن نور كانت بتبص لجوا الشقة
وكأنها شافت حاجة مرعبة.
أما كمال
فأول ما شاف باب البيت مفتوح، وشه اتغير وقال
لا مستحيل.
ثم همس باسم شخص واحد
اسم خلاني أفهم إن اللي حصل النهارده كله ماكانش صدفة.
طلع هو
ولأول مرة، شفت الخوف الحقيقي في عيني كمال الشناوي كمال وقف مكانه ثواني، وكأنه بيحاول يستوعب اللي شايفه.
وبعدين قال بصوت حازم
كلكم ارجعوا ورا.
نور كانت واقفة عند باب الشقة، وشها شاحب، وإيدها بتترعش.
جريت عليها.
إنتِ كويسة؟
هزت راسها بسرعة.
أنا كويسة بس متدخلش.
بصيت جوه الشقة.
كل حاجة كانت متبهدلة.
الدولاب مفتوح.
المراتب مقلوبة.
الأدراج متسحبة.
حتى علبة الدقيق القديمة كانت مرمية على الأرض.
سلمى بدأت تعيط.
هما كانوا بيدوروا على إيه؟
نور سكتت.
سكتة طويلة جدًا.
وبعدين بصت لكمال.
إنت جيت ليه؟
كمال رد
عشان الخاتم.
نور اتجمدت.
بصيت لها باستغراب.
إنتِ تعرفي الخاتم؟
نور ما ردتش.
كمال قرب منها وقال
نور من إمتى وإنتِ عارفة؟
نور نزلت عينيها للأرض.
من يوم ما بابا مات.
قلبي دق بسرعة.
عارفة إيه؟
نور بصت لي ولسلمى، وبعدها قالت
بابا قبل ما يموت بأيام قالي إن في حاجة مهمة جدًا مخبيها، وإن لو حصل له حاجة، ممنوع أقول لكم عنها غير لما تكبروا.
كمال سألها
وقال لك مكانها؟
نور هزت راسها.
أيوه.
سكت كمال لحظة.
فين؟
نور أشارت ناحية الحائط.
ورا الصورة القديمة بتاعة بابا وماما.
جريت ناحية الصورة.
شلتها من مكانها.
لكن الحائط كان فاضي.
ولا كان فيه أي حاجة.
نور قربت وقالت
كانت هنا.
كمال بدأ يفحص الحائط بعينيه.
وبعدين لاحظ حاجة صغيرة جدًا.
مسمار جديد.
اتحرك ناحية الحائط وقال
حد فتح المكان ده قبلنا.
ضغط بإيده على جزء من الحائط
وفجأة سمعنا صوت طقطقة.
جزء صغير من الحائط اتحرك.
وكان وراه تجويف ضيق.
لكن التجويف كان فاضي.
تمامًا.
كمال قبض إيده.
سبقونا.
نور حطت إيدها على بوقها.
يعني عرفوا مكانه؟
كمال رد
مش بس عرفوا مكانه دول كانوا مستنيين حد يوصل للخاتم.
بصيت له
يعني إيه؟
كمال قرب مني، وقال بهدوء
الخاتم مش مجرد خاتم.
سلمى قالت
أمال إيه؟
كمال بص للخاتم اللي كان لسه محتفظ بيه في جيبه.
الخاتم كان آخر دليل.
نور شهقت.
دليل على إيه؟
كمال ما ردش.
بدل كده، فتح الخاتم من الداخل بطريقة غريبة، وضغط على جزء صغير جدًا في جسمه.
سمعنا صوت نقرة.
وفجأة
خرجت قطعة معدنية دقيقة من داخل الخاتم.
كانت متناهية الصغر.
ومكتوب عليها رقم واحد فقط.
17.








