
كان بعد ظهر يوم صيفي حر وساكت في مستشفى “النيل التخصصي” بالقاهرة، لما دخلت الممرضة مريم الأوضة رقم 409. جوه الأوضة كان نايم مراد بيه الألفي، الملياردير وصاحب أكبر مجموعة شركات، وكان غايب عن الدنيا في غيبوبة بقاله ست شهور بعد حادثة عربية جامدة على طريق الساحل.
بالنسبة لطاقم المستشفى، كان مراد مجرد مريض تاني—واحد مريّش وغني، بعيد عنهم، ومفيش أمل كبير في قومته. بس بالنسبة لـ مريم، الموضوع كان أعمق من كده بكثير.
كل يوم، بعد ما تخلص نبطشيتها وتنهد من التعب، كانت تروح تقعد جنبه، تفتح كتاب وتقراله، وتحكيله عن يومها وتفاصيل حياتها، وعندها أمل صغير جوة قلبها إنه حاسس بيها وسامعها بطريقة ما.
في يوم من الأيام، وهي بتظبط عليه الغطا، بصلت لوشه وهمست:
“عارف يا مراد بيه؟ شكل مرتاح قوي كده… الدنيا بره طحن وجري، وانت هنا في حالك ساكن ورايق.”
مريم نفسها ما كانتش فاهمة هي ليه مهتمة بيه ومشغولة بيه للدرجة دي… يمكن عشان ملامح وشه الهادية، أو يمكن عشان الوحدة اللي شافتها في سكوته، نفس الوحدة اللي هي عايشاها ومخبياها جوة قلبها.
وفي يوم، بعد ما خلصت شفتها، فضلت قاعدة جنبه وقت أطول من العادة. مسكت إيده، ولقيتها دافية بين إيديها:
“يا رب تصحى يا مراد… لو حتى مرة واحدة بس.”
أول ما بعدت، همست بصوت بيترعش:
“أنا آسفة…”
وخرجت تجري من الأوضة، ووشها جايب ألوان من الكسوف والندم على اللي عملته.
#الكاتب_رومانى_مكرم
لكن تاني يوم الصبح، المستشفى اتقلبت رأسًا على عقب! الأجهزة في أوضة 409 كانت بتصرخ وتعمل إنذارات، والممرضين والدكاترة بيجروا في الممرات ويصرخوا:
”الحقوا! فاق! مراد بيه فاق من الغيبوبة!”
مريم وقفت في الممر ورجليها مش شايلاها، وقلبها كان هيقف من الخوف واللخبطة، لحد ما سمعت صوته المبحوح وهو بيسأل الدكاترة بره:
“فين الممرضة اللي كانت بتقرالي وتحكيلي؟”
وقف الزمن بالنسبة لمريم في لحظتها، وكان الصوت بيتردد في ودانها زي الصدى: ”فين الممرضة اللي كانت بتقرالي وتحكيلي؟”
نزلت كلماته عليها زي المية الساقعة في عز الحر. خطواتها كانت تقيلة وزي ما تكون متكتفة بسلاسل من الخوف، والدكاترة بيتبادلوا نظرات الاستغراب والدهشة. الدكتور المسؤول بصلها وقال بصوت عالي:
“تعالي يا مريم.. الأستاذ مراد بيسأل عليكي!”
دخلت الأوضة ورجليها بتخبط في بعضها، وشها شاحب وعينيها متثبتة في الأرض، مش قادرة ترفع عينها وتيجي في عينه أبداً. كانت خايفة يكون فاكر اللحظة دي.. خايفة من الفضيحة، وخايفة أكتر من طرده ليها أو قطع أكل عيشها.
أول ما خطت جوة الأوضة، مراد أشار للدكاترة والممرضين بإيده وقال بصوت بحته تقيلة بس فيها نبرة حازمة:
“سيبونا لوحدنا شوية.. محتاج أتكلم معاها.”
خرج الكل وقفلوا الباب وراهم، وساد الأوضة هدوء مرعب، مفيش غير صوت أجهزة النبض اللي بدأت تنتظم. مريم فضلت واقفة جنب الباب، ضامة إيديها لبعضها وبتترعش، وهمست بصوت واطي ومخنوق:
“حمد الله على سلامتك يا مراد بيه.. أنا.. أنا كنت بؤدي واجبي بس، ولو ضايقتك بأي حاجة أنا آسفة، مستعدة أقدم استقالتي حالاً.”
مراد ما ردش بالكلمات. كل اللي عمله إنه حرك جسمه بصعوبة، ورفع جسمه من على السرير وهو لسه ضعيف ومحتاج دعم، وبص لوشها بعيون كانت مليانة دفا وشوق مش طبيعي.. شوق واحد كان غرقان في ضلمة ملهاش أخر ولقى النور.
بصوت متقطع قالها:
“تقدمي استقالتك؟ بعد ما كنتِ الأمل الوحيد اللي مخليني ماسك في الحياة؟”
مريم رفعت عينها بذهول، ولقته بيشاورلها تقرب منه. مشيت خطوات بطيئة ولما بقت جنبه مباشرة، مراد مسك إيدها بنفس الدفا اللي حساته امبارح
مراد همس في ودانها:
“أنا ما كنتش في غيبوبة كاملة يا مريم.. أنا كنت محبوس جوة عقلي ومش قادر أتحرك ولا أنطق، بس كنت سامع كل كلمة حكيتيها لي.. كنت حاسس بلمسة إيدك الداقية، وبكتابك اللي بتقريه لي كل يوم.. والنهاردة أنا قمت عشان أقولك إن السر اللي افتكرتيه اتدفن..
مريم حست إن الدنيا بتلف بيها، وشهقتها طلعت مخنوقة بين فرحة شفائه وكسوفها الشديد من اعترافه المباشر.
بس قبل ما تنطق بكلمة واحدة، الباب اتفتح فجأة ودخلت منه واحدة شيك جداً، وراثة العز والأناقة باينة عليها، ولابسة نضارة شمسية رفعتها وهي مصدومة من المشهد: ”مراد! إيه المهزلة اللي بتحصل هنا دي؟!”
كانت دي “شاهي”، خطيبة مراد السابقة وشريكته في الأسهم، اللي ما زارتوش غير مرتين طوال الست شهور.. ورجعت دلوقتي أول ما سمعت إنه فاق!
برقت عين شاهي بالغل وهي بتبص لمريم من فوق لتحت بقرَف، وقربت بخطوات سريعة وصوت كعبها بيرن في الأوضة زي ضربات القطب:
“إيه الجنان ده؟ أنت بتعمل إيه يا مراد؟ ومين البتاعة دي اللي واقفة حاضناها كده؟!”
مراد ما تهزش، وما سابش إيد مريم اللي كانت بتحاول تسحبها بالراحة من الخوف والكسوف. بصلها بنظرة حادة وباردة، أبرد من التلج، وقال بصوت حاسم رغم ضعفه:




