
العمل في مجال الطب الإنساني ليس مجرد وظيفة روتينية يُؤديها المرء لينال أجرها نهاية الشهر، بل هو رسالة مقدسة تعتمد على تشابك دقيق بين العلم، والضمير، والتعامل مع الأرواح البشرية التي تعد أغلى ما يمتلكه الإنسان. ورغم ما يحمله الطبيب من نوايا حسنة ورغبة حقيقية في تخفيف الآلام عن المرضى، إلا أنه يظل بشراً يخطئ ويصيب، ومحكوماً بحدود الإمكانات المتاحة وقدر الله سبحانه وتعالى. في السطور التالية، نسرد قصة واقعية تعكس حجم الضغط العصبي والنفسي الهائل الذي قد يمر به الطبيب، وكيف يمكن لتقلبات القدر أن توضع بالخطأ على كاهل إنسان كرّس حياته لخدمة الآخرين.
بداية القصة: ليلة غير متوقعة في المستشفى
بدأت الحكاية عندما استقبلت في المستشفى شاباً في مقتبل عمره، كان يعاني من مشكلة صحية تتطلب تدخلاً جراحياً محدوداً من ناحية واحدة. أُجريت العملية الجراحية بمهنية كاملة، وتكللت بالنجاح الطبي الظاهري، وكانت الأمور تسير بشكل طبيعي ومطمئن للغاية خلال الساعات الأولى بعد الإجراء. غادرت المستشفى مطمناً على استقرار الحالة، لكن المفاجأة الصادمة جاءت في وقت متأخر من الليل عبر اتصال هاتفي مقلق من الطبيب المقيم المناوب.
أخبرني الطبيب بصوت ملؤه التوتر أن المريض بدأ يعاني من أعراض مقلقة للغاية، تتمثل في عدم قدرته على تحريك رجليه نهائياً، فضلاً عن معاناته من احتباس حاد في البول. كانت هذه الأعراض غريبة وغير متوقعة؛ نظراً لأن العملية كانت بسيطة وموضعية وفي جانب واحد فقط. التفسير العلمي الوحيد لمثل هذه الحالة يكمن في احتمال حدوث ضغط غير مبرر على الأعصاب في المنطقة المحيطة بالعمود الفقري، مما أدى مباشرة إلى تأثير سلبي وفوري على حركة القدمين.
جدار الإمكانات المتاحة والعجز المؤقت
هنا بدأت المعاناة الحقيقية تفرض نفسها بقوة، ليس فقط على المستوى الطبي، بل على المستوى اللوجستي والنفسي. للأسف الشديد، كانت مستشفى التأمين الصحي تفتقر إلى الأجهزة التشخيصية الضرورية لمثل هذه الحالات الحرجة؛ فلم يكن هناك جهاز رنين مغناطيسي متطور، كما أن جهاز الأشعة المقطعية كان متعطلاً في تلك الليلة، فضلاً عن عدم وجود مراكز أشعة خارجية عاملة في تلك الساعات المتأخرة من الليل لتوفير الفحوصات العاجلة التي يمكن أن تحسم الجدل.
وجد الطبيب نفسه يقف وحيداً في مواجهة مأساة حقيقية، بينما كان أهل الشاب يمرون بحالة من الهلع والجنون وهم يرون ابنهم الشاب طريح الفراش وعاجزاً عن الحركة، بينما يقف الفريق الطبي عاجزاً عن تقديم تفسير قاطع لغياب أدوات التشخيص. بالنسبة لغير المتخصصين في جراحة الأعصاب والعمود الفقري، تبدو هذه المضاعفات وكأنها خطأ طبي جسيم، لكنها في عالم الطب قد تكون عرضاً نادراً لمضاعفات غير متوقعة.
القرار الجريء: استكشاف مبكر لإنقاذ ما يمكن إنقاذه
وسط هذا الضغط الرهيب، ورفضاً للاستسلام لقلة الحيلة، اتخذت القرار الأصعب والأكثر مسؤولية. أدركت أن الوقت الضاغط قد يكون الفاصل بين الشلل المؤقت والشلل الدائم، فقررت دخول غرفة العمليات مرة أخرى بعد منتصف الليل بمفردي، ودون توفر صور أشعة دقيقة، بهدف استكشاف مكان الجراحة والتأكد من عدم وجود نزيف داخلي أو تجمع دموي ضاغط على الأعصاب يمكن تفريغه قبل فوات الأوان.
بالفعل، دخل المريض غرفة العمليات وأُعيد فتح الجرح بدقة، لكن المفاجأة أن المكان كان نظيفاً تماماً وخالياً من أي نزيف أو تجمعات دموية. أغلقت الجرح مرة أخرى، ونُقل المريض إلى غرفته، ووُصفت له جرعات علاجية مكثفة وعالية من الكورتيزول كما هو معتاد بروتوكولياً في مثل هذه الحالات للتقليل من التورم العصبي المحتمل. ورغم تحسن طفيف في الحركة لاحقاً بفضل العلاج، غادر الشاب المستشفى وهو لا يزال يعاني من صعوبة بالغة في الحركة.
رحلة العذاب النفسي: مواجهة الأهالي في بيوتهم
بعد أيام قليلة، تلقت اتصالاً هاتفياً من والدة الشاب تخبرني أن حالة ابنها تدهورت بشكل مفاجئ وأنه أصبح عاجزاً تماماً عن الحركة أو مغادرة السرير. رغم تحذيرات المحيطين بي والعاملين معي من خطورة الذهاب إلى منزل العائلة نظراً لحالة الغضب العارم والاتهامات الموجهة ضدي، إلا أن الإحساس بالمسؤولية الأخلاقية والضمير المهني دفعني لزيارته بنفسي.
عند وصولي، كان المنظر مرعباً؛ فالمكان يغلي بأكثر من ثلاثين شخصاً من أفراد العائلة والأقارب المتحفزين، وكلهم ينظرون إلي باعتبار أنني الشخص الذي تسبب في شلل ابنهم ويدمر شبابه. دخلت غرفة المريض وتفحّصت حالته وجدته يعاني من شلل شبه تام في الساقين وصعوبة في النطق. كادت الأمور تتطور إلى ما لا يححمد عقباها لولا ستر الله ووجود السكرتير المرافق لي، حيث كانت عبارات الاتهام بالجهل والفشل والقتل بطيء تلاحقني من كل اتجاه.
المفاجأة الطبية: مرض نادر يتقاطع مع التوقيت
لم يستسلم الوضع لهذا الغموض طويلاً؛ فقد حضر طبيب متخصص في أمراض المخ والأعصاب، وبعد فحص دقيق ومطول للحالة، استابح خيوط تشخيص طبي نادر جداً، وهو مرض مناعي غامض يصيب شخصاً واحداً من كل مئة ألف شخص، ولا علاقة له على الإطلاق بالعملية الجراحية أو أخطاء الأطباء، بل هو مجرد تزامن قدري غريب ومؤسف بين ظهور المرض ووقت إجراء الجراحة.
رغم توضيح الحقيقة الطبية، رفض أهل المريض تصديق الطبيب، وظنوا أنها محاولة للتستر الباطل وتبرير الخطأ الطبي المزعوم. بناءً على ذلك، قاموا بنقل الشاب عبر سيارة إسعاف خاصة إلى العاصمة القاهرة لعرضه على أحد كبار أساتذة أمراض المخ والأعصاب، في رحلة بحث محمومة عن إدانة الطبيب والانتقام منه.
النهاية السعيدة ودرس لا يُنسى
في القاهرة، أكد الاستشاري الكبير نفس التشخيص النادر، وأكد قاطعاً أن الجراحة ليس لها أي صلة بما حدث، بل إنه حرص على الاتصال بي هاتفياً أمام أهل المريض ليؤكد براءتي ويخفف عني العبء النفسي الهائل، مؤكداً أن الحظ السيئ وحده هو ما جمع بين المرض النادر وتوقيت العملية.
أدرك الأهالي أخيرًا حجم الظلم الذي وقع، وتوجهوا بالمريض إلى المستشفى حيث خضع لعملية فلترة متطورة للدم، وبفضل الله، تماثل للشفاء التام خلال أيام معدودة. عاد الشاب بعد شهر واحد لممارسة حياته وعمله الشاق في قطاع البناء وحمل الأثقال بكل قوة ونشاط.
لقد تركت هذه التجربة القاسية آثارا عميقة، وكأنها أضافت عشرين سنة إلى عمري خلال أسبوعين من التهديد والأرق المستمر. إن هذه القصة تذكرنا دائماً بأن الطب ليس سحراً، وأن الأطباء ليسوا آلهة تملك مقاليد الشفاء، بل هم أسباب يسخرها الله، ويبقى التوكل على الله والإيمان بالقدر هو الملاذ الحقيقي لكل إنسان يسعى لإتقان عمله بضمير حي.




