قصص و روايات

طُرد فلاح بسيط من فندق فاخر

لوح بيده بلطف وقال بصوت عميق دافئ
لا عليك. كلنا نخطئ أحيانا في الحكم على الناس. الحياة قاسية بما يكفي لتعلمنا الدروس لكن الخطأ الحقيقي ليس في الجهل بل في الإصرار عليه. ما دام الإنسان قادرا على أن يتعلم فالأمل باق. أتمنى فقط أن يكون ما حدث اليوم عبرة فلا يقاس الإنسان بملابسه ولا يعرف معدنه من مظهره.
ساد صمت أثقل من السابق صمت لم يكن فراغا بل امتلاء بمعان كثيرة. شعر كثيرون في القاعة وكأن تلك الكلمات وجهت إليهم شخصيا لا إلى موظفة الاستقبال وحدها.
تقدم المدير خطوة أخرى وقد اغرورقت عيناه بتأثر صادق لم يستطع إخفاءه وقال بصوت خافت لكنه نابع من القلب صوت رجل تذكر فجأة ماضيا حاول نسيانه طويلا
حين مرت عائلتنا بأقسى محنة في حياتها كنا على وشك الانهيار الكامل. خسرنا تجارتنا وتراكمت علينا الديون وتفرق عنا الناس واحدا تلو الآخر. أصدقاء الأمس تخلوا عنا والمعارف اعتذروا بلطف بارد. كل باب طرقناه أغلق في وجوهنا. كنا نشعر أننا وحدنا في هذا العالم.
توقف لحظة ثم أكمل وهو يشير إلى الفلاح
هذا الرجل وحده مد يده دون أن يسأل عن ضمان أو مصلحة. أقرض والدي المال ونحن على حافة الانهيار ولم يطلب يوما شكرا ولا مقابلا. لم يتباه ولم يذكرنا بفضله. تركنا ننهض بكرامتنا. ذلك

الفضل سيبقى دينا في عنقي ما حييت ولن توفيه كلمات ولا مناصب ولا فنادق.
ساد الصمت أرجاء القاعة صمت ثقيل لم يكن مجرد غياب للأصوات بل حضورا كثيفا للمشاعر. بدا وكأن الزمن نفسه توقف لثوان طويلة لا تتحرك فيها عقارب الساعة ولا يجرؤ أحد على كسر ذلك السكون. الوجوه التي كانت قبل دقائق تتبادل النظرات المتعالية أو الابتسامات الساخرة تغيرت ملامحها تماما. ارتسمت الدهشة على الوجوه دهشة ممزوجة بالخجل وتحولت العيون التي كانت تنظر من عل إلى عيون منكسة تحمل اعترافا صامتا بالخطأ. بعضهم أنزل عينيه خجلا وكأن الأرض أرحم من مواجهة الحقيقة وبعضهم شد على شفتيه بقوة يلوم نفسه في صمت مرير مستعيدا مواقف سابقة حكم فيها على الناس دون أن يمنحهم فرصة للكلام.
ذلك الفلاح البسيط الذي استصغر شأنه واستهين بمظهره لم يتغير شيء في هيئته. بقي واقفا كما هو بثيابه البسيطة ونظراته الهادئة لكنه في أعين الحاضرين لم يعد ذلك الرجل العابر الذي يمكن تجاهله. انكشف الآن بوصفه الرجل الذي وقف خلف هذا النجاح الباهر من الظل دون ضجيج أو ادعاء رجل صنع الفرق حين كان الجميع منشغلين بأنفسهم رجل لم تمنحه الحياة قصورا شاهقة ولا أضواء براقة لكنه منحها قلوبا عامرة بالخير وضميرا حيا لا يصدأ.
أنزلت موظفة

الاستقبال رأسها ببطء وكأن ثقل اللحظة انصب فوق كتفيها دفعة واحدة. لم تعد قادرة على حبس دموعها فانهمرت الدموع على خديها بصمت موجع. لم تكن تلك دموع خوف من فقدان الوظيفة ولا رهبة من العقاب بل دموع خجل صادق من النفس. شعرت وكأن كل نظرة احتقار أطلقتها في حياتها وكل حكم متسرع أطلقته على الناس من قبل يعود إليها في تلك اللحظة كصفعة قاسية على وجهها. أدركت أن كبرياءها الأجوف الذي كانت تظنه ثقة بالنفس لم يكن سوى قناع هش يخفي جهلا عميقا وأن تسرعها في الحكم قد أعماها عن رؤية الحقيقة وكاد يجعلها تهين إنسانا يفوقها قيمة وأخلاقا وتجربة.
تقدم المدير بخطوات واثقة لكن في عينيه شيء من التواضع لم يكن مألوفا عليه. طلب من أحد الموظفين مرافقة الفلاح إلى أفخم جناح في الفندق ثم توقف فجأة وكأن فكرة أخرى خطرت له في اللحظة الأخيرة. استدار وقال بصوت حازم لا يقبل النقاش
لا سأرافقه بنفسي.
كانت تلك الجملة وحدها كافية لتزيد وقع المشهد. لم يكن ذلك مجرد تصرف إداري بل إعلان احترام علني. سار المدير إلى جانب الفلاح لا كمدير فندق يسير أمام ضيف عادي بل كتلميذ يسير خلف معلمه يستمع بصمت ويتعلم دون أن يتكلم. كانت العيون تتابعهما في صمت مطبق. لم يكن ذلك الصمت صمت إحراج فحسب بل صمت مراجعة داخلية عميقة صمت أسئلة

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى