
إيه علاقة أمي بكل ده؟ وليه عمّي فؤاد ما كانش عايزني أعرف؟ قابلت الحاجة سعاد في القديمة بعد أقل من ساعة. كانت ست كبيرة، ملامحها هادية، لكن عينيها فيها حزن سنين طويلة. أول ما دخلت، طلبت مني أقعد، وبعدها راحت لغرفة صغيرة ورجعت بصندوق خشب قديم.
عماد، إنت كنت تعرف إن أبوك سايبلك حق مالي في الشركة؟ هزيت راسي بالنفي. أبدًا. أول مرة أسمع الكلام ده النهارده. سكتت لحظة، وبعدين قالت يبقى لازم نراجع كل الأوراق اللي تخص والدك. لأن فيه احتمال إن الموضوع بدأ قبل ما إنت تدخل المشروع القديم أصلًا.
خرجت من مكتب منال وأنا حاسس إن حياتي اللي كنت فاكرها مستقرة اتقلبت في ساعات قليلة. ركبت عربيتي واتصلت بعمي فؤاد. رد بعد رنتين، وبصوته المعتاد قال إزيك يا عماد يا حبيبي؟ طمني عليك، وصلت للمقابلة؟
حاولت أسيطر على أعصابي. أيوه يا عمي، وصلت. بس فيه موضوع مهم عايز أتكلم معاك فيه. قال خير يا ابني؟ مال صوتك؟ قلت مباشرة إنت تعرف حاجة عن شركة الدكتورة منال الشربيني؟ سكت. سكت لدرجة إني بصيت للموبايل أتأكد إن المكالمة لسه شغالة.
وبعدين قال مين اللي جاب سيرة الشركة دي؟ قلبي بدأ يدق أسرع. يعني إنت تعرفها؟ رد بعصبية حاول يخبيها يا عماد، فيه حاجات أكبر من إنك تفهمها دلوقتي. إنت ركز في شغلك ومستقبلك، وسيب الماضي لأصحابه.
قلت بس الماضي ده بقى له علاقة بيا، وفيه مستندات عليها توقيعي وأنا ما مضيتش عليها! عمي اتنهد، وبعدها قال جملة عمرها ما هتطلع من دماغي لو منال بدأت تحكي لك عن أبوك، يبقى هي عرفت أكتر مما كان المفروض تعرفه.
اتجمدت مكاني. سألته بصوت مرتعش أبويا كان مخبي إيه عني يا عمي؟ رد بسرعة أنا مش هتكلم في التليفون. تعالى لي بكرة الصبح، وهفهمك كل حاجة. وقفل الخط. فضلت باصص للموبايل، وأنا حاسس إن كل شخص وثقت فيه طول حياتي ممكن يكون مخبي عني سر.
لكن قبل ما أتحرك، وصلني اتصال من رقم غريب. رديت، وسمعت صوت ست كبيرة في السن بتقول أستاذ عماد؟ أنا الحاجة سعاد، كنت أعرف والدك الله يرحمه. لازم أقابلك النهارده قبل ما تروح لعمك. سألتها بقلق حضرتك تعرفيني منين؟ وإيه الموضوع؟
قالت أبوك قبل ما يمـ,ـوت ساب عندي أمانة، وقالي ما أسلمهاش ليك غير لما عمك فؤاد يحاول ياخد منك حقك. حسيت إن الدنيا وقفت بيا. سألتها حق إيه يا حاجة سعاد؟ ردت بصوت مليان حزن حقك في الشركة، وحق أمك الله يرحمها كمان.
لأن اللي أبوك اكتشفه قبل وفاته ما كانش مجرد سرقة فلوس… ده كان ظلم كبير اتعمل في أمك، والناس اللي عملوه لسه عايشين وسطكم لحد النهارده. ما قدرتش أنطق. أمي مـ,ـاتت وأنا عندي عشر سنين، وطول عمري كنت فاكر إنها مـ,ـاتت بعد مرض طويل، وإن أبويا قضى آخر سنين عمره بيحاول يعوضني عن غيابها.
إيه علاقة أمي بكل ده؟ وليه عمّي فؤاد ما كانش عايزني أعرف؟ قابلت الحاجة سعاد في شقتها القديمة بعد أقل من ساعة. كانت ست كبيرة، ملامحها هادية، لكن عينيها فيها حزن سنين طويلة. أول ما دخلت، طلبت مني أقعد، وبعدها راحت لغرفة صغيرة ورجعت بصندوق خشب قديم.
حطته قدامي وقالت أبوك سلّمني الصندوق ده قبل وفاته بشهرين، وقالي لو جه يوم ولقيت عماد بيدور على الحقيقة، يبقى لازم يعرف كل حاجة. فتحت الصندوق، ولقيت جواه صور قديمة، وأوراق رسمية، وخطابات متربطة بشريط أزرق.
لكن وسط الأوراق، لقيت صورة لأمي وهي شابة، واقفة جنب راجل ما أعرفوش، وفي إيدها ملف كبير. قلبت الصورة، ولقيت مكتوب على ظهرها بخط أبويا اليوم اللي بدأت فيه . رفعت عيني للحاجة سعاد وسألتها مين الراجل ده؟
بصت للصورة، واتغير لون وشها. قالت ده الدكتور محمود الشربيني… والد منال. اتصدمت. يعني أبويا وأمي ووالد منال كانوا مرتبطين ببعض من قبل ما أنا حتى أعرف إن منال موجودة؟ سحبت خطاب من الصندوق وبدأت أقرأه.
كان مكتوب فيه إن أمي اكتشفت مخالفات مالية خطيرة في مشروع مشترك بين والد منال وناس تانيين، وإنها احتفظت بنسخ من المستندات عشان تحمي أبويا من اتهام باطل. لكن آخر جزء في الخطاب كان ناقص، والورقة ممزقة من النص. قلت للحاجة سعاد باقي الخطاب فين؟
هزت راسها وقالت مش عندي. أبوك قال لي إن الجزء التاني موجود عند الشخص الوحيد اللي يقدر يثبت مين ظلم أمك. سألتها مين الشخص ده؟ بصتلي في عيني وقالت عمك فؤاد. في اللحظة دي، فهمت إن مقابلتي مع منال ما كانتش بداية الحكاية، دي كانت مجرد أول باب اتفتح في سر مدفون من سنين.
لكن اللي ما كنتش أعرفه، إن عمي فؤاد كان بالفعل مستنيني في بيته، وقدامه ظرف تاني، وفيه مستندات لو وصلت لإيدي… هتثبت إن الراجل اللي رباني بعد وفاة أبويا كان عارف الحقيقة من أول يوم، وإنه أخفاها عني لسبب أخطر بكتير من الفلوس!
رجعت البيت وأنا مش شايف قدامي من كتر التفكير. كلام الحاجة سعاد كان بيلف في دماغي، وصورة أمي وهي واقفة جنب والد منال كانت مش راضية تفارق خيالي. إزاي أمي كان ليها علاقة بكل ده؟ وليه أبويا احتفظ بالسر لحد ما مـ,ـات؟
والأهم من كل ده، عمي فؤاد كان بيحميني فعلًا، ولا كان بيحميني من الحقيقة عشان أفضل طول عمري تحت سيطرته؟ بصيت في الساعة، لقيت الوقت قرب من تسعة بالليل. افتكرت كلام عمي لما قال لي أروح له الصبح، لكني ما قدرتش أستنى. ركبت عربيتي وروحت له.
لما وصلت، لقيت باب الفيلا مفتوح، وعمي قاعد في الصالون لوحده، وقدامه فنجان قهوة وظرف بني كبير. أول ما شافني، حط الفنجان على الترابيزة وقال كنت عارف إنك مش هتستنى لبكرة. قعدت قدامه، وحاولت أتكلم بهدوء أنا قابلت الحاجة سعاد يا عمي.
وشه اتغير للحظة، لكنه رجع تمالك نفسه بسرعة. قال وهي قالت لك إيه؟ حطيت صورة أمي ووالد منال قدامه. قالت لي إنك تعرف الحقيقة كلها، وإن عندك الجزء التاني من جواب أبويا. أنا عايز أفهم، ومش همشي من هنا غير لما أعرف كل حاجة.
من أكتر من عشرين سنة، والد منال دخل في شراكة مع مجموعة من المستثمرين. أبوك كان مسؤول عن الحسابات، وأمك كانت بتشتغل في الإدارة، وكانت عندها قدرة غريبة على اكتشاف الأخطاء اللي غيرها ما بياخدش باله منها.
أشار لصورة أمي. هي اللي اكتشفت إن فيه تحويلات مالية بتتم من حسابات الشركة لحسابات خاصة، وإن فيه مستندات بتتجهز عشان يبان إن والد منال هو المسؤول عن الاختلاس. سألته مين اللي كان بيعمل كده؟ رد بعد صمت طويل أنا. حسيت إن وداني بطلت تسمع.
عمي كمل بصوت واطي أنا كنت شريك صغير في المشروع، فلوس كتير، ولما لقيت إن فيه فرصة أعوض خسارتي، دخلت في الموضوع. في البداية كنت فاكر إني هقدر أرجع الفلوس من غير ما حد يتضرر، لكن الأمور خرجت عن سيطرتي. قمت من مكاني وقلت يعني إنت ظلمت أمي؟
! هز راسه وقال أيوه. ولما اكتشفت اللي عملته، واجهتني. قالت لي إنها هتبلغ والد منال بكل حاجة، وإنها مش هتسمح إن أبوك يتحمل مسؤولية جريمة ما عملهاش. كنت حاسس إني مش قادر أتنفس. وبعدين؟ عمي نزل عينيه للأرض.
حاولت أقنعها تسكت لحد ما أرجع الفلوس، لكنها رفضت. وبعد فترة قصيرة، اتعرضت لحادث العربية اللي مـ,ـاتت فيه. اتجمدت مكاني. أمي مـ,ـاتت في حـ,ـادث من سنين طويلة، لكن محدش عمره قال لي إن فيه أي شك حوالين الحادث. قربت منه وقلت إنت بتلمح لإيه؟ إنت كنت السبب في مـ,ـوت أمي؟
! رد بسرعة، ودموعه بدأت تنزل أنا ما كنتش في العربية، وما لمستهاش بأذى، والله العظيم. لكني كنت عارف إن فيه وصلتلها قبل الحادث، وسكت. خفت على نفسي، وخفت أخسر كل حاجة. رجعت قعدت وأنا حاسس إن رجلي مش شايلاني. الراجل اللي قدامي ما كانش غريب عني.
ده كان عمي، اللي كان بيحضر أعياد ميلادي، واللي كان بيقول لي دايمًا إن أمي قضاء وقدر. سألته طيب ليه أبويا ما بلغش عنك؟ قال لأن أبوك كان بيحاول يثبت إن الحادث ما كانش طبيعي، لكنه ما وصلش لدليل قاطع.
وبعدها اكتشف إن فيه حد بيحاول يلفقلك إنت تهمة في الشركة، فقرر يبعدك عن كل ده ويحميك. بصيت للمستندات، وبدأت أقلب فيها بسرعة. كان فيه اتفاق شراكة قديم، وكشوف حسابات، وخطاب مكتوب بخط أمي. لكن في آخر الملف، لقيت ورقة مختلفة، عليها توقيع والدي، ومكتوب فيها إن جزءًا من الأرباح المستقبلية للمشروع مخصص ليا.
وتحت التوقيع، كان فيه بند بيقول إن حقي المالي لا يسقط إلا بتنازل رسمي موثق مني شخصيًا. رفعت الورقة قدام عمي وقلت يبقى المستند اللي حسام جابه لمنال مزور فعلًا! هز راسه ببطء. أيوه. وأنا عرفت إن حسام دخل في الموضوع من فترة، لكني ما كنتش عارف إنه هيستخدم اسمك بالطريقة دي.




