منوعات

اتعرفت علي بنت

اتعرفت على بنت على موقع للزواج ولما قابلتها طلع وزنها فوق ال 90 كيلو ، يومها فرجت عليها الناس وقولتلها انا عايز عروسه مش شوال قطن، كنت فاكر ان الموضوع هينتهي هنا، لحد ما قابلتها بعدها بسنتين واللي عملته وقتها ندمني على كل حرف قولته وردلي الاهانه اضعاف!!!!!!

حكايتي مع منال بدأت لما جالّي شغل العمر برّه مصر، فرصة ممتازة بكل ومرتب خيالي بس كان فيه شرط اساسي إن اللي هيسافر يكون متجوز ومستقر عائلياً. وقتها حسيت إنها اتقفلت في وشي، خصوصاً إني كنت مشغول طول عمري في شغلي وبناء نفسي، ومكنش عندي وقت أصلاً للارتباط بالطريقة التقليدية وخطواتها الطويلة.

وسط زنقة الوقت والتفكير، لقيت واحد صاحبي بيقترح عليّا أفكّر في مواقع وعروض طلبات الجواز اللي منتشرة على الإنترنت، وقال لي يا عم جرب، يمكن تلاقي واحده ظروفها زي ظروفك وعاوزه تتجوز بسرعة. في الأول استصعبت الفكرة وحسيتها غريبة، بس لما لقيت الوقت بيجري، دخلت على المواقع دي عشان أشوف بنفسي، وفتحت كذا أوبشن وكنت بقلب في العروض والصور زي اللي بينقي سلعة، كل بنت حاطة صورتها ومواصفاتها، وكل واحدة بتعرض نفسها بطريقة مختلفة.

وسط زحمة الصور والعروض دي، لفتت نظري بروفايل مختلف تماماً. بنت مش حاطة صورتها الشخصية خالص، وكاتبة إن عندها خمسة وعشرين سنة، متخرجة من كلية طب وبتكمل دراسات عليا. حكايات زهرة الربيع استغرابت جدا إيه اللي يخلي بنت في سن ده، ومؤهلها ده، وشكل مستقبلها، تدخل تدور على جواز بالطريقة دي؟

! كلمتها فوراً على الرسائل، ودار بينا أول حوار تعارف عادي. سألتها بكل فضول ليه مستعجله على الجواز بالشكل ده ومن غير حتى ما تاخد وقتها، ردت عليّا بصوت هادي وقالت إن والدتها مريضة جداً، وكل أمنيتها في الدنيا تشوف بنتها عروسة ومطمنة عليها قبل ما يفوت الأوان.

سألتها طب إنتي ليه مش حاطة صورتك؟ قالت لي بمنتهى الثقة أنا مش حابة أعرّض نفسي كده ولا أحط صورتي للكل على السوشيال ميديا، اللي حابب بجد يتجوز ويرتبط بجدية، يشوفني قدامه في الحقيقة ويقرر إذا كان موافق ولا لا، من غير أي ضغوط أو أحكام مسبقة من وراء الشاشات.

وقتها، حسيت ان اكيد فيه عيب في شكلها عشان كده خايفة تحط صورتها، بس رجعت فكرت وقلت لنفسي طالما متعلمة ومستواها كويس، لو شكلها مش قمر قوي مش مشكلة، أهو أقدر أقابلها وأشوف بنفسي الوضع إيه.

وفعلاً، اتفقنا على كل حاجة وميعاد المقابلة في كافيه هادي، واتفقنا إني هروح الأول، وهي هتعرفني من شكلي لإن صورتي كانت موجودة في البروفايل وهي شافتها. يوم المقابلة، رحت وقعدت على ترابيزة مستنيها، وكنت باصص في ساعتي بملل. وفجأة، حسيت بحد بيقف قدامي.

رفعت عيني، لقيت بنت جسمها ضخم جداً، وزنها فوق التسعين كيلو أو أكتر كمان، لابسة درس واسع وحجاب وعلى عيونها نضارة نظر ..وكانت سمينه لدرجه ان ملامحها مش عارف احدد اذا كانت جميله او لا .. قالت لي بصوت مرتبك صباح الخير.. حضرتك عماد؟

. حضرتك عماد؟ وقتها، اتصدمت صدمة عمري. كأن مياه ساقعة اتكبّت عليّا. بصيت لها من فوق لتحت بذهول تام وقولت بصوت طالع غصب عني منال؟! هزت راسها بالموافقة وهي بتبتلع ريقها بتوتر ظاهر وعينيها في الأرض. وهنا، للأسف، مقدرتش أتحكم في نفسي ولا في ردة فعلي المستفزة.

ضحكت بصوت عالي جداً ملأ الكافيه، ووقفت من على الكرسي وقلت لها بصوت تقيل وسخرية لا تطاق بالذمة إنتي عايزة تتجوزي بمنظرك ده؟! لا.. ده إنتي عندك أمل بقى وجايه تقابليني كمان؟! منال اتجمعت الدموع في عيونها وبانت عليها الصدمة والكسرة، وقالت لي بصوت مهتز بس فيه عزة نفس من غير تجاوز لو سمحت.

. تقدر ترفض باحترام لو مش عاجبك، مش بالطريقة دي. لكن أنا بدل ما ألم نفسي وأمشي ، زعقت بصوت أعلى وخليت كل اللي في المكان سمعونا أرفض إيه يا ماما؟! إنتي كنتي متخيلة إني ممكن أشوف المنظر ده وأوافق عليكي؟! أنا عايز عروسة مش شوال قطن!

روحي يا حببتي ربنا يحنن عليكي ! الناس في الكافيه كلها لفتت وبقت تبصلنا وتهمس وتتكلم، ووقتها شفت في عيونها نظرة قهر وكسرة متتوصفش، . بلعت ريقها أنا مخدعتكش ولا ضحكت عليك عشان تقل أدبك بالشكل ده.. أنا جيت قابلتك وكنت تقدر ترفض باحترام، لكن الظاهر إنك معندكش ريحة الاحترام.

رديت عليها بسخرية واضح إني مش أول واحد، وأكيد عارفة كويس إن مستحيل بني آدم طبيعي يوافق على واحده زيك بمنظرك المثير للشفقه ده.. إنتي ضيعتِ وقتي على الفاضي!. قالت لي ونظرتها ثابتة في عيني أنا آسفة إني ضيعت وقتك الثمين.

. بس عايزة أقولك حاجه أنا عمري ما هنساك نهائي يا استاذ عماد.. وهيجي اليوم اللي تندم فيه على كل حرف قلته، الدنيا دوّارة اوي ومسيرنا نتقابل. قالت الجملة دي وسابتني ومشيت بخطوات سريعة. وقتها ضحكت ومشيت كنت فاكر الموضوع مجرد تجربة هبله وسخيفة وعدت، وكنت مقتنع تماماً إني مش هشوف وشها تاني،ونسيت اللي حصل وكملت حياتي .

لكن، للأسف الشديد، كأن كلامها كان في ساعة استجابة، والدنيا دارت بينا أسرع بكتير مما كنت أتخيل نهائي! وفعلاً، رجعت قابلتها بعدها بسنتين بالتمام .. واللي عملته فيا وقتها ميتحكيش بجد، حرفياً ندّمتني على كل حرف نطقته وردتلي الإهانة أضعاف مضاعفة!

!!!!! حكايات زهرةالربيع اللهم صلي على حبيب اللهبعد سنتين بالتمام، كنت واقف في المطار، لابس بدلتي ومستني الشخص اللي جاي من الشركة الأجنبية اللي كنت بحلم أشتغل فيها من سنين. أخيرًا، كل حاجة كانت ماشية زي ما أنا عايز، وبقيت على بُعد خطوات من السفر وتحقيق أحلامي.

كنت وقتها نسيت منال تمامًا، ونسيت حتى شكلها، وكأن البنت دي ما دخلتش حياتي في يوم من الأيام. لحد ما تليفوني رن، وكان مديري بيتصل بيا. رديت عليه بسرعة وقلت أيوه يا فندم، أنا في المطار ومستني حضرتك تبعتلي تفاصيل المقابلة مع الوفد.

رد عليّا بنبرة غريبة وقال عماد، اسمعني كويس. الوفد وصل، بس حصل تغيير في آخر لحظة. الشخص اللي هتقابله هو اللي هيقرر إذا كنت هتسافر وتستلم منصبك الجديد ولا لأ. عايزك تركز في كل كلمة هتقولها، لأن مستقبلك كله متوقف على المقابلة دي.

ضحكت بثقة وقلت متقلقش يا فندم، أنا قدها، ومفيش حاجة ممكن تعطلني. قال لي أتمنى ده يا عماد، لأن الست دي بالذات محدش بيقدر يتوقع رد فعلها. استغربت من كلامه، لكني ما اهتمتش. عدلت الكرافتة بتاعتي، ومسكت الملف اللي فيه كل إنجازاتي وخبراتي، وفضلت أبص ناحية بوابة الوصول.

بعد حوالي عشر دقايق، شوفت مجموعة من رجال الأعمال خارجين، وفي وسطهم ست لابسة بدلة شيك جدًا، وماشية بخطوات ثابتة، والكل حواليها بيتعامل معاها باحترام واضح. كان معاها اتنين من المساعدين، وراجل كبير في السن بيشرح لها حاجة في ملف، وهي بتسمعله باهتمام.

مديري قرب مني بسرعة وهمس أهي وصلت يا عماد. دي الدكتورة منال الشربيني، رئيسة مجلس إدارة المجموعة اللي هتسافر تشتغل معاها. الاسم وقع على ودني زي الصاعقة. منال الشربيني؟! حسيت إن قلبي وقف لحظة، وبصيت ناحية الست اللي جاية من بعيد.

كانت لابسة نضارة بإطار أنيق، وشعرها متلموم بطريقة بسيطة، وملامحها هادية وواثقة. كانت مختلفة تمامًا عن البنت اللي قابلتها في الكافيه من سنتين، لكن كان فيه حاجة مألوفة جدًا في عينيها. حاولت أقنع نفسي إن مستحيل تكون هي. يمكن مجرد تشابه أسماء. لكن أول ما قربت، رفعت عينيها ناحيتي.

وبعدين وقفت. بصتلي كام ثانية من غير ما تتكلم، وبعدها ابتسمت ابتسامة صغيرة خلت الدم ينسحب من وشي. وقالت بهدوء إزيك يا أستاذ عماد؟ بقالنا كتير أوي ما اتقابلناش. رجلي ما بقتش شايلاني. هي منال!

نفس البنت اللي ضحكت عليها قدام الناس، واللي وصفتها بأبشع الكلام، واللي مشيت من قدامي ودموعها في عينيها. حاولت أتكلم، لكن صوتي خرج متقطع م… منال؟ إنتي؟! ابتسامتها اختفت، وبصتلي بنظرة رسمية جدًا وقالت أيوه، أنا منال. واضح إنك فاكرني أخيرًا. مديري بصلي باستغراب وسأل إنتوا تعرفوا بعض؟

قبل ما أرد، منال قالت اتقابلنا من سنتين في مناسبة مش هتنساها بسهولة، صح يا أستاذ عماد؟ وشي احمر، وحسيت إن كل اللي حوالينا مركزين معانا. حاولت أضحك ضحكة مصطنعة وأقول آه، طبعًا، الدنيا صغيرة فعلًا. لكن منال ما ضحكتش.

فتحت الملف اللي في إيدها، وطلعت منه ورقة، وبصت فيها للحظات، وبعدها قالت طيب، بما إننا اتقابلنا قبل كده، خلينا ندخل في الموضوع على طول. حضرتك مقدم على منصب المدير الإقليمي لفرع الشركة في دبي، صح؟

هززت راسي بسرعة أيوه، ودي فرصة مهمة جدًا بالنسبة لي، وأنا عندي خبرة كبيرة في المجال ده، وقدرت أحقق نتائج… قاطعتني بهدوء أنا قريت ملفك كله يا عماد. وعارفة إنك شاطر في شغلك، وإنك تعبت سنين عشان توصل للمكانة دي.
بلعت ريقي وقلت اتفضلي. قربت خطوة، وقالت بصوت واطي، لكن كل كلمة فيه كانت واضحة لو رجع بيك الزمن ليوم ما قابلتني في الكافيه، وكنت عارف إن البنت اللي قدامك هتبقى في يوم من الأيام مسؤولة عن مستقبلك كله… كنت هتتعامل معاها بنفس الطريقة؟ اتجمدت مكاني.

السؤال كان بسيط، لكن مفيش إجابة واحدة أقدر أقولها من غير ما أفضح نفسي. لو قلت لأ، هبان إني بجاملها عشان المنصب. ولو قلت أيوه، أبقى غبي رسميًا. حاولت أتمالك أعصابي وقلت بصي يا دكتورة منال، أنا كنت صغير في التفكير وقتها، ويمكن أسلوبي كان غلط، وأنا بصراحة.

.. رفعت إيدها توقفني. استنى يا عماد. أنا مش عايزة اعتذار معمول عشان إنت محتاج مني توقيع. أنا سمعت اعتذارات كتير في حياتي، واتعلمت أفرق كويس بين اللي ندمان على اللي عمله، واللي ندمان على النتيجة اللي وصل لها. وبعدين لفتت ناحية مساعدها وقالت من فضلك، هاتلي الملف التاني.

المساعد فتح حقيبته وطلع ملف أسود سميك، وحطه قدامها على الترابيزة. منال فتحته، وقلبت صفحتين، وبعدها دفعته ناحيتي وقالت قبل ما تمضي أي عقد، أحب إنك تشوف ده. بصيت للملف باستغراب، وفتحته. أول ورقة كانت نسخة من السيرة الذاتية بتاعتي، وتحتها تقارير عن شغلي وإنجازاتي.

لكن لما قلبت الصفحة اللي بعدها، لقيت مستندات عن شركة كنت اشتغلت فيها من أربع سنين، وتقارير عن مشروع قديم كنت مسؤول عنه. قلبي بدأ يدق بسرعة. المشروع ده تحديدًا كان أكبر إنجاز في حياتي، لكنه كان كمان أكتر مشروع حصلت فيه مشاكل، واضطريت وقتها أسيب الشركة وأتنقل لشغل تاني.

رفعت عيني لمنال وقلت إيه علاقة الملف ده بالمقابلة؟ ردت بمنتهى الهدوء علاقة كبيرة جدًا. لأن قبل ما أوافق على تعيينك، اكتشفت إن فيه مشكلة قديمة في المشروع ده، ومحدش قدر يفسرها لحد النهارده. وبعدين سحبت ورقة من الملف، وحطتها قدامي. كان عليها توقيع باسمي.

لكن اللي خلاني أحس إن الأرض بتلف بيا، مش التوقيع نفسه… إن الورقة كانت بتثبت إني وافقت على قرار أنا عمري ما وافقت عليه، والقرار ده تسبب في خسارة الشركة مبلغ ضخم جدًا! قلت وأنا بحاول أسيطر على صوتي الورقة دي مش فاكرها، وممكن تكون اتفهمت غلط.

أنا محتاج أراجع المستندات الأصلية. منال شبكت إيديها قدامها وقالت طبعًا، ومن حقك تراجع كل حاجة. وعشان كده جبتك هنا بنفسي، بدل ما أرفض طلبك من غير ما أسمعك. للحظة، افتكرت إنها يمكن بتديني فرصة حقيقية أدافع عن نفسي.

لكنها كملت كلامها، وكانت كل كلمة بتقربني من كارثة المشكلة يا عماد إن الشخص اللي قدّم الورقة دي للشركة، واللي أكد إن التوقيع توقيعك، هو نفس الشخص اللي رشحك للمنصب الجديد. حسيت ببرودة في أطرافي. مين الشخص ده؟ منال بصت لمساعدها، والمساعد طلع صورة من الملف وحطها قدامي.

منال بصت لمساعدها، والمساعد طلع صورة من الملف وحطها قدامي. أول ما شفت الصورة، شهقت من الصدمة. لأن الراجل اللي فيها ما كانش مجرد مدير قديم ليا… ده كان أقرب صاحب ليا، الشخص اللي هو بنفسه اقترح عليّا موقع الجواز اللي اتعرفت من خلاله على منال!

بصيت لمنال وقلت إنتي عرفتي كل ده إزاي؟ وإيه اللي حصل بالضبط؟ لأول مرة، ملامحها اتغيرت، وظهر في عينيها غضب كانت مخبياه طول المقابلة. قالت أنا هحكيلك كل حاجة، بس قبلها لازم تعرف إن مقابلتنا النهارده ما كانتش صدفة، وإن فيه سبب تاني خلاني أوافق إني أقابلك بنفسي.

سكتت لحظة، وبعدين فتحت درج مكتبها وطلعت ظرف أبيض قديم. حطته قدامي وقالت الظرف ده وصلني من تلات أيام، وفيه رسالة مكتوبة بخط إيد شخص مـ,ـات من سنة. الشخص ده كان يعرف حقيقة اللي حصل في الكافيه من سنتين، وكان يعرف كمان سر خطير عنك إنت بالذات.

مديت إيدي ناحية الظرف، لكن منال حطت إيدها عليه قبلي وقالت بس قبل ما تقراه، عايزاك تجاوبني بصراحة يا عماد… إنت فاكر إنك جرحتني يومها عشان وزني وشكلي وبس؟ بصيتلها مش فاهم، وقلت أمال إيه تاني؟ سحبت إيدها من فوق الظرف، وبصتلي نظرة خلتني أتمنى لو كنت فضلت جاهل بالحقيقة.

وقالت لأنك يومها، من غير ما تقصد، أهنت الشخص الوحيد اللي كان ممكن ينقذ حياتك من مصيبة إنت لسه ما تعرفش إنها حصلت. وبعدين زقت الظرف ناحيتي وهمست افتحه يا عماد… واقرأ أول سطر، وبعدها قولي إذا كنت لسه شايف إن اللي حصل في الكافيه كان مجرد إهانة لبنت سمينة!

إيدي كانت بتترعش وأنا بفتح الظرف، ومش عارف ليه حسيت إن حياتي كلها هتتغير بعد ما أقرأ اللي جواه. طلعت ورقة قديمة، لونها مصفر، ومكتوبة بخط إيد راجل أنا أعرفه كويس جدًا. أبويا الله يرحمه!

قلبي اتقبض، لأن أبويا مـ,ـات من سنة، وكان طول عمره راجل بسيط، ملوش أي علاقة بشركات ولا برجال أعمال ولا بالمشاكل اللي منال بتتكلم عنها. فتحت الورقة وبدأت أقرأ يا ابني عماد، لو الورقة دي وصلتلك في يوم من الأيام، يبقى أنا فشلت في إني أحميك من أكبر غلطة ممكن تعملها في حياتك.

أنا عارف إنك شايف نفسك ناجح، وإنك فاكر إن الفلوس والشغل هما اللي بيحددوا قيمة الإنسان، لكن فيه حاجة لازم تعرفها قبل فوات الأوان… وقفت عن القراءة، وحسيت إن نفسي اتسحب مني. رفعت عيني لمنال وقلت إنتي جبتي جواب أبويا منين؟

! ردت بهدوء أنا ما جبتوش. الجواب وصلني من شخص كان محتفظ بيه، ومعاه مستندات تانية. وأنا نفسي ما كنتش مصدقة الكلام اللي قريته، لحد ما بدأت أراجع كل حاجة بنفسي. رجعت للورقة وكملت فاكر يوم ما حكيتلي عن البنت اللي قابلتها في الكافيه؟
كملت القراءة، لحد ما وصلت لآخر سطر في الصفحة لو قابلت منال تاني، اسمع منها للآخر. لأن أبوها كان صاحب فضل عليّا، وأنا أخفيت عنك حقيقة مهمة تخص مستقبلك، وكنت أتمنى أقولها لك قبل ما أمـ,ـوت. اتسمرت مكاني. بصيت لمنال وقلت أبوكي؟! إيه علاقة أبوكي بأبويا؟!

منال أخدت نفس طويل، وبعدين قامت من مكانها ووقفت قدام الشباك. قالت أبويا كان صاحب مصنع كبير، وأبوك اشتغل عنده محاسب في بداية حياته. في وقت من الأوقات، المصنع اتعرض لأزمة مالية خطيرة، وأبوك اكتشف إن فيه ناس بتزوّر حسابات وبتسرق فلوس الشركة.

سألتها بلهفة وبعدين؟ قالت أبوك كان عنده فرصة يهرب ويسيب المسؤولية لغيره، لكنه قرر يبلغ عن اللي حصل. وبسبب شهادته، أبويا قدر يسترد جزء كبير من فلوسه، وينقذ المصنع من الإفلاس. من اليوم ده، أبويا اعتبره أخوه، وساعده إنه يفتح مشروعه الصغير ويبدأ حياة جديدة.

بدأت أفهم جزء من الحكاية، لكن لسه مش فاهم أنا دخلت في الموضوع إزاي. منال كملت أبويا كان دايمًا بيحكيلي عن أبوك، وعن أمانته وشهامته. ولما كبرت، كان نفسه يشوفني متجوزة راجل عنده نفس أخلاقه، مش مجرد شخص معاه فلوس أو منصب.

اتنهدت وقالت لكن أبويا مـ,ـات قبل ما يحقق أمنيته. وبعد وفاته، اكتشفت إن فيه أوراق قديمة بتثبت إن عيلتنا وعيلتك بينهم حقوق مالية لسه ما اتسوتش. بصيتلها بذهول حقوق مالية؟! يعني أبويا كان ليه فلوس عندكم؟ هزت راسها وقالت مش بالضبط.

أبوك رفض ياخد أي مقابل وقت الأزمة القديمة، لكنه كان ليه نسبة متفق عليها في مشروع اتأسس بعد كده، والنسبة دي فضلت محفوظة في الأوراق. ولما بدأت أراجع حسابات الشركة، لقيت إن حد حاول يغيّر المستندات ويخفي الاتفاق. حسيت إن رأسي هتنفجر من كتر المعلومات.

طيب وإيه علاقة ده بصاحبي؟ وإيه علاقة الورقة اللي عليها توقيعي؟ منال رجعت قعدت، وفتحت الملف الأسود على صفحة معينة. صاحبك هو اللي كان مسؤول عن مراجعة المشروع اللي اشتغلت فيه من أربع سنين. وفي الفترة دي، ظهرت مستندات بتتنازل عن حقوق مالية تخص عيلتك، والمستندات دي كان عليها توقيع منسوب ليك.

قلت بسرعة أنا ما مضيتش على أي تنازل! ردت وده اللي بدأت أشك فيه. لأن توقيعك الموجود في الملف مختلف عن توقيعك في مستندات تانية موثقة. لكن المشكلة إن صاحبك اختفى فترة طويلة، وبعدها ظهر فجأة ورشحك للمنصب اللي إنت مقدم عليه. بدأت أفتكر تصرفات صاحبي في الفترة الأخيرة.

إصراره إني أقدم على الوظيفة دي، واتصالاته المتكررة، وأسئلته عن أوراق شغلي القديمة. كنت فاكر إنه بيساعدني. لكن هل ممكن يكون بيستخدمني عشان يغطي على حاجة عملها؟ سألت منال طب إنتي ليه ما بلغتيش الشرطة؟ قالت لأن لسه فيه جزء ناقص.

المستندات بتثبت وجود تلاعب، لكنها ما بتثبتش مين اللي زوّر التوقيع. وأنا مش هظلم حد من غير دليل قاطع. وبعدين بصتلي نظرة ثابتة وقالت وعشان كده، أنا مش هرفض تعيينك دلوقتي، ومش هوافق عليه كمان.

كنت فاكر إنه بيساعدني. لكن هل ممكن يكون بيستخدمني عشان يغطي على حاجة عملها؟ سألت منال طب إنتي ليه ما بلغتيش الشرطة؟ قالت لأن لسه فيه جزء ناقص. المستندات بتثبت وجود تلاعب، لكنها ما بتثبتش مين اللي زوّر التوقيع.

وأنا مش هظلم حد من غير دليل قاطع. وبعدين بصتلي نظرة ثابتة وقالت وعشان كده، أنا مش هرفض تعيينك دلوقتي، ومش هوافق عليه كمان. هديك فرصة تراجع أوراقك وتثبت الحقيقة بنفسك. لو طلعت بريء، حقك هيرجعلك. ولو اكتشفت إنك كنت عارف وساكت، ساعتها هتتحمل مسؤولية أفعالك.

كنت لسه بحاول أستوعب كلامها، لما باب المكتب اتفتح ودخل مساعدها بسرعة. قال بتوتر دكتورة منال، الشخص اللي حضرتك طلبتي نمنعه من الدخول وصل، وبيصر إنه يقابلك حالًا. منال رفعت عينيها وسألته اسمه إيه؟ رد الأستاذ حسام، صاحب الأستاذ عماد. حسيت إن الدم نشف في عروقي. حسام وصل؟

هنا؟ في نفس الوقت اللي بنكتشف فيه المستندات دي؟ منال بصتلي وقالت واضح إن صاحبك مش مستعد يسيبنا نكمل كلامنا. وبعدين طلبت من مساعدها يدخله. بعد ثواني، حسام دخل المكتب وهو مبتسم، ولما شافني قال بمرح مصطنع ياااه يا عماد! إنت هنا؟ أنا بدور عليك من الصبح!

لكن أول ما عينه وقعت على الملف الأسود المفتوح قدامي، ابتسامته اختفت. حاول يستعيد هدوءه، وبص لمنال وقال دكتورة منال، أنا جاي بخصوص مستندات المشروع القديم. فيه تطور مهم لازم تعرفيه. منال قفلت الملف ببطء وقالت غريبة. إحنا لسه بنتكلم عن المستندات دي حالًا. اتفضل، قول لنا إيه التطور المهم.

حسام بلع ريقه، وبصلي بسرعة، وبعدين قال الحقيقة إن فيه حد تاني كان مسؤول عن التوقيعات، وأنا عندي دليل يثبت إن عماد هو اللي وافق على التنازل. صرخت فيه إنت بتقول إيه يا حسام؟! أنا ما مضيتش على حاجة! لكنه تجاهلني، وطلع من شنطته ورقة وحطها قدام منال.

قال بثقة ده أصل المستند، وعليه توقيعه. وممكن نعمل فحص لو حضرتك مش مصدقاني. منال أخدت الورقة، وبصت عليها طويلًا. وبعدين رفعت عينيها لحسام وقالت إنت متأكد إن دي الورقة الأصلية؟ رد من غير تردد متأكد مليون في المية. منال ابتسمت ابتسامة خفيفة، وفتحت درج مكتبها وطلعت ورقة تانية.

حطت الورقتين جنب بعض، وقالت طيب، بما إنك متأكد، ممكن تشرح لنا إزاي الورقة اللي معاك عليها ختم شركة ما استخدمناهوش من خمس سنين؟ حسام اتلخبط، وبدأ يعرق. منال كملت والأغرب من كده إن الرقم التسلسلي للختم ده مسجل في محضر رسمي باعتباره مفقود من المخزن من أربع سنين.

حسام اتراجع خطوة، وأنا حسيت لأول مرة من بداية اليوم إن الحقيقة ممكن تظهر. لكن منال ما خلصتش. مدت إيدها لملف تالت كان على مكتبها، وطلعت منه صورة قديمة، وحطتها قدام حسام. أول ما شاف الصورة، وشه اتغير تمامًا.
مين الشخص اللي كان معاك في الصورة، وليه أنكر إنه شافك اليوم ده؟ حسام فضل ساكت، وبص للأرض، وبعد لحظات رفع عينيه ناحيتي وقال بصوت مهزوز عماد… أنا لازم أحكيلك الحقيقة، بس أوعدني إنك مش هتسلمني بإيدك. وقتها فهمت إن الموضوع أكبر بكتير من مجرد تزوير توقيع أو ضياع فلوس.

لكن قبل ما أقدر أرد عليه، حسام قال اسم الشخص اللي كان واقف جنبه في الصورة… والاسم ده كان آخر اسم أتوقع أسمعه في حياتي! حسام بصلي وعينيه مليانة خوف، وقال بصوت واطي الشخص اللي كان معايا في الصورة هو… عمك فؤاد! حسيت إن حد  على دماغي.

عمي فؤاد؟ أخو أبويا الوحيد؟ الراجل اللي كان دايمًا بيزورنا، ووقف جنبي بعد  أبويا، واللي كنت باعتبره أقرب حد ليا من عيلتي؟ قلت وأنا مش مصدق إنت بتكدب! عمي ملوش أي علاقة بشغلكم، ولا عمره دخل الشركة اللي إنت بتتكلم عنها!

حسام رفع إيده وقال بسرعة والله العظيم يا عماد، أنا ما كنتش عايز أقولك، بس إنت لازم تعرف الحقيقة. عمك هو اللي وصلني بالمستندات القديمة، وهو اللي قال لي إن فيه فلوس من حق عيلتكم، وإننا نقدر نستفيد منها لو عرفنا نثبت إن أبوك تنازل عنها قبل ما .

منال تدخلت بحدة يعني إنتوا كنتوا عارفين بوجود حقوق مالية، وبدل ما ترجعوها لأصحابها، قررتوا تزوروا مستندات؟ حسام هز راسه بعصبية وقال أنا ما زورتش حاجة بإيدي! أنا كنت مجرد وسيط. عماد صاحبي، وعم فؤاد كان بيقول لي إن الموضوع كله قانوني، وإن عماد عارف وموافق.

صرخت فيه أنا عمري ما وافقت على حاجة زي دي! حسام بصلي بحزن وقال أنا عارف دلوقتي، بس وقتها كنت فاكر إنك عارف. ولما الموضوع بدأ يكبر، خفت أتكلم. كنت حاسس إني عايز أخرج من المكتب وأجري على عمي وأواجهه، لكن منال طلبت مني أقعد.

قالت استنى يا عماد. إحنا مش هنقدر نبني اتهامات على كلام حسام بس. لازم نعرف مين اللي حرّك الموضوع من البداية، وليه اختاروا اسمك إنت تحديدًا. وبعدين وجهت كلامها لحسام عندك أي دليل يثبت كلامك؟ حسام تردد شوية، وبعدها فتح موبايله وبدأ يقلب في الصور والرسائل.

أنا احتفظت ببعض المحادثات، لأني كنت خايف في يوم من الأيام ألاقي نفسي شايل الليلة كلها لوحدي. مد الموبايل لمنال. كانت فيه رسائل بينه وبين عمي فؤاد، بعضها بيتكلم عن أوراق الشركة، وبعضها عن ضرورة إنهاء موضوع التنازل قبل ما حد يراجع الحسابات القديمة.

لكن الرسالة اللي خلت منال تسكت تمامًا كانت بتاريخ يوم مقابلتي ليها في الكافيه. الرسالة كانت بتقول خليك قريب من عماد. الولد ده لسه مش فاهم قيمة اللي في إيده، ولو فضل بنفس طريقة تفكيره دي، هيضيّع حقه وحقنا كلنا.
عماد، إنت كنت تعرف إن أبوك سايبلك حق مالي في الشركة؟ هزيت راسي بالنفي. أبدًا. أول مرة أسمع الكلام ده النهارده. سكتت لحظة، وبعدين قالت يبقى لازم نراجع كل الأوراق اللي تخص والدك. لأن فيه احتمال إن الموضوع بدأ قبل ما إنت تدخل المشروع القديم أصلًا.

خرجت من مكتب منال وأنا حاسس إن حياتي اللي كنت فاكرها مستقرة اتقلبت في ساعات قليلة. ركبت عربيتي واتصلت بعمي فؤاد. رد بعد رنتين، وبصوته المعتاد قال إزيك يا عماد يا حبيبي؟ طمني عليك، وصلت للمقابلة؟

حاولت أسيطر على أعصابي. أيوه يا عمي، وصلت. بس فيه موضوع مهم عايز أتكلم معاك فيه. قال خير يا ابني؟ مال صوتك؟ قلت مباشرة إنت تعرف حاجة عن شركة الدكتورة منال الشربيني؟ سكت. سكت لدرجة إني بصيت للموبايل أتأكد إن المكالمة لسه شغالة.

وبعدين قال مين اللي جاب سيرة الشركة دي؟ قلبي بدأ يدق أسرع. يعني إنت تعرفها؟ رد بعصبية حاول يخبيها يا عماد، فيه حاجات أكبر من إنك تفهمها دلوقتي. إنت ركز في شغلك ومستقبلك، وسيب الماضي لأصحابه.

قلت بس الماضي ده بقى له علاقة بيا، وفيه مستندات عليها توقيعي وأنا ما مضيتش عليها! عمي اتنهد، وبعدها قال جملة عمرها ما هتطلع من دماغي لو منال بدأت تحكي لك عن أبوك، يبقى هي عرفت أكتر مما كان المفروض تعرفه.

اتجمدت مكاني. سألته بصوت مرتعش أبويا كان مخبي إيه عني يا عمي؟ رد بسرعة أنا مش هتكلم في التليفون. تعالى لي بكرة الصبح، وهفهمك كل حاجة. وقفل الخط. فضلت باصص للموبايل، وأنا حاسس إن كل شخص وثقت فيه طول حياتي ممكن يكون مخبي عني سر.

لكن قبل ما أتحرك، وصلني اتصال من رقم غريب. رديت، وسمعت صوت ست كبيرة في السن بتقول أستاذ عماد؟ أنا الحاجة سعاد، كنت أعرف والدك الله يرحمه. لازم أقابلك النهارده قبل ما تروح لعمك. سألتها بقلق حضرتك تعرفيني منين؟ وإيه الموضوع؟

قالت أبوك قبل ما يمـ,ـوت ساب عندي أمانة، وقالي ما أسلمهاش ليك غير لما عمك فؤاد يحاول ياخد منك حقك. حسيت إن الدنيا وقفت بيا. سألتها حق إيه يا حاجة سعاد؟ ردت بصوت مليان حزن حقك في الشركة، وحق أمك الله يرحمها كمان.

لأن اللي أبوك اكتشفه قبل وفاته ما كانش مجرد سرقة فلوس… ده كان ظلم كبير اتعمل في أمك، والناس اللي عملوه لسه عايشين وسطكم لحد النهارده. ما قدرتش أنطق. أمي مـ,ـاتت وأنا عندي عشر سنين، وطول عمري كنت فاكر إنها مـ,ـاتت بعد مرض طويل، وإن أبويا قضى آخر سنين عمره بيحاول يعوضني عن غيابها.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى