منوعات

بنتى أخي كانت تستيقظ

ومبالغ بتتسحب كل شهر.

بصيت لمراتي.

إنتِ أخذتي فلوسها؟

قالت أنا؟ اسأل نفسك الأول مين اللي كان بيمضي على السحب.

بصيت في الأوراق.

الإمضاء كان باسمي.

لكن أنا عمري ما مضيت.

وفي اللحظة دي، سلمى اتصلت بيا من المستشفى.

رديت.

كانت بتبكي.

عمو في راجل جه عندي وبيقول إنه المحامي بتاع بابا.

عايز إيه؟

سكتت لحظة.

وبعدين قالت بيقول إن بابا قبل ما يرحل ساب تسجيل وقال ما أسمعهوش غير لما أكتشف إن حد منكم لمس فلوسي.

وقبل ما أسألها التسجيل فيه إيه، سمعت صوت أخويا الراحل خارج من موبايلها تجمدت مكاني، وأوقف فيّ صوت أخي الراحل كالصاعقة، وكأن روحه عادت من عالم الغيب لتقول لي الحقيقة التي خبأوها عني طويلاً. صوته كان واضحاً، ثابتاً، مليئاً بالحزن والتحذير معاً، وكأنه كان يعلم قبل أن يرحل أن ما سوف يحدث سوف يهدم كل ما بيننا

يا أخي الغالي لو تسمع هذا الكلام، فهذا يعني أنك اكتشفت شيئاً لم أتمنى أبداً أن تكتشفه. لقد عرفتُ قبل رحيلي ببضعة أشهر أن زوجتك كانت تتحدث مع أشخاص لا ينبغي لها أن تتحدث معهم، وكانت تسأل عن كل ما أملك، وعن كل ما سأتركه لابنتي سلمى. لم أكن أريد أن أشككك فيها، أو أن أفرق بينك وبينها، فكنت أعلم أنك تحبها، وأنك تثق بها ثقة عمياء. لكنني لم أستطع أن أترك ابنتي عرضة للخطر، فجهزت هذا التسجيل، وكل الأوراق الرسمية، وسلمتها لمحاميي القديم، وقلت له لا يسلمها لسلمى ولا يسمعها لأحد إلا إذا تأكد أن أحداً قد مس حقوقها، أو حاول أن يحرمها مما هو لها. يا أخي سامحني إن كنت أشك فيك، لكنني كنت أخشى أن تكون ثقتك العمياء هي التي ستدمرنا جميعاً. سلمى ليست مجرد بنت أخيك هي كل ما تبقى لي من دنياي. فلا تترك أحداً يجحفها، ولا تترك أحداً يأخذ ما هو لها، مهما كان السبب. وتذكر أنا لم أترك لك شيئاً لتعيش منه، بل تركت لك أمانة، والأمانة ليست كالمال، إنها أثقل وأغلى بكثير.

انقطع الصوت، وبدأت سلمى تبكي بصوت مكسور، وكأنها لم تكن تتوقع أن تسمع صوت أبيها مرة أخرى، ولا أن تكون السبب في كشف كل هذه الأسرار. وقفت زوجتي خلفي، وبدأت ملامحها تتغير، اختفى التكبر والصراخ، وحل محله الخوف والذهول، وكأنها لم تتوقع أن يكون هناك تسجيل، ولا أن يكون أخي قد عرف كل شيء قبل أن يرحل.

التفت إليها ببطء، وشعرت بكل خلية في جسدي ترتجف من الغضب والندم معاً، وقلت بصوت أجش لم أتعرفه على نفسي كل ده كان مخبي؟ كل ده كان بيحصل وأنا عايش في غيبوبة؟ كنت أصدقك وأقول إنك تعاملها زي بنتك، وإنك بتساعدها، وطلعت كل ده مجرد قناع خلفه أخذ وظلم وقسوة؟

حاولت أن تتكلم، لكن صوتها خرج متقطعاً يا راجل فهمني الظروف كانت صعبة المصاريف زادت وأنت كنت مش عارف حاجة عن الفلوس دي، كنت قلتلي إنك مش عايز تاخد حاجة من وراء أخوك فقلت أساعدك وأصرف منها على البيت وكنت خائفة منك تزعل لو عرفت

تساعدني؟! صرخت في وجهها، وكادت أذنيها تنفجران من صوتي. تساعدني يعني تخلّي بنت في عمر الورود تستيقظ قبل الفجر وتنظف البيت كله وتكون مريضة ومش تقدر تقول كلمة؟ تساعدني يعني تحرفي توقيعي وتأخذي فلوس اليتيمة اللي أمانة في عنقي؟ تساعدني يعني تضحك عليّ في وجهي وتقول لي إنها بتحب تساعدك، وأنتِ بتعاقبيها عشان عايشة في بيت أبوها اللي دفع ثمنه بدمه وحياته؟

تراجعت خطوات للوراء، ودموعها بدأت تنهمر، لكنها لم تكن دموع ندم، بل كانت دموع خوف مما سوف يحدث لها أنا كنت بحبك وكنت خائفة أخسرك وخائفة أكون سبب مشاكل بينك وبين أخوك حتى وهو راحل وأنت كنت ثقتك فيها كبيرة قوي، وكنت تقول إنها بنتك التانية، فمش عارفة كنت أقولك إيه

كنت تقولي لي الحقيقة من أول يوم! كنت تقولي لي إنك مش عايزة تعيش معاها، أو إنك مش قادرة تتحمل مسؤوليتها، وكنت أجد لي حل، وكنت أرضيكي، وكنت أقدر أتكلم معاها ونرتب أمورنا مع بعض لكنك اخترتي الطريق السهل، طريق الظلم والخداع، واخترتي تضحيني وتضحينها عشان راحتك ومصلحتك الخاصة.

خرجت من البيت فوراً، ولم أستطع أن أبقى فيه دقيقة واحدة، واتجهت مباشرة إلى المستشفى، وعندما وصلت إلى غرفة سلمى، وجدتها جالسة على السرير، والمحامي القديم لأخي جالس بجانبها، وعندما رآني، قام بسلامي باحترام، وقال لي بصوت هادئ أستاذ محمد لقد انتظرت طويلاً حتى أتكلم معك، لقد أوصاني أخوك رحمه الله أن لا أتدخل إلا إذا اكتشفت الحقيقة بنفسك، لأنك كنت تثق بزوجتك، وكان يريد أن يبقى الاحترام بينكم، لكن للأسف ما حدث لم يكن في الحسبان.

جلست بجانب سلمى، وأمسكت بيدها الصغيرة النحيلة، وشعرت بحرارتها العالية، وقلت لها بصوت دافئ محاولاً أن أزيل الخوف من قلبها سامحيني يا سلمى سامحيني لأنني كنت أعمى، وسامحيني لأنني تركتك تعاني كل ده لوحدك، وأنا اللي كان المفروض أكون لك الأب والأخ والصديق. أنا وعدك من اليوم ده، مش هيحزنك حد، ومش هيجحفك حد أبداً، وكل حق لك هنرجعه لك، مهما كان الثمن.

نظرت إليها، ورأيت في عينيها نظرة لم أرها من قبل، نظرة لم تكن مجرد سعادة أو راحة، بل كانت نظرة أمل انقطع ثم عاد مرة أخرى، وقالت بصوت خافت أنا مش عايزة فلوس يا عمو أنا بس عايزة أعيش معاك، وعايزة أكون معاك طول العمر، أنت أهلي كل ما تبقى لي في الدنيا.

دمعت عيناي، وضممتها إلى صدري، وقلت لها وأنتِ بنتي، وكل ما أملك لك، ومش هنفترق أبداً.

بعدها، التفت إلى المحامي، وقلت له تفضل يا سيدي، أريد أن أعرف كل شيء، من أول البداية، ولا تخفي عني أي معلومة، مهما كانت صعبة أو مؤلمة.

تنهد المحامي، وبدأ يروي لي القصة كاملة، من أول يوم رحل فيه أخي، وحتى هذه اللحظة أخوك رحمه الله كان رجلاً حكيماً وذكياً، وكان يعرف الناس جيداً، لقد كان يعرف أن زوجتك طامعة في المال، وأنها تحب أن تكون الأقوى في كل شيء، ولهذا جهز كل الأوراق قبل رحيله، وترك مبلغاً كبيراً من المال، وقطعة أرض في منطقة راقية، وكلها مسجلة باسم سلمى فقط، ولا يمكن لأحد أن يتصرف فيها إلا هي، ولا يمكن سحب أي مبلغ منها إلا بوجودها، وتوقيعها هي بنفسها، مع وجود شاهدين وموافقة المحامي. أما التوقيع الذي وجدته في الأوراق التي أخذتها منك، فهو تحريف واضح، ولقد أحضرنا خبير توقيعات، وسوف يثبت ذلك أمام القضاء.

كما أن أخوك ترك مبلغاً شهرياً مخصصاً لمصاريف سلمى، دراستها، وعلاجها، وكل ما تحتاجه، ووضعه في حساب خاص، واشترط أن لا يصل إليه أحد غيرها، أو من يوصي به، ولهذا كانت زوجتك تضطر لتحريف توقيعك كل شهر، لتتمكن من الحصول على جزء صغير من المبلغ، لأنها لم تكن تقدر على سحب المبلغ كله، وكانت تخشى أن تكتشفوا أمرها.

كما عرفتُ منها أنها كانت تمنع سلمى من التكلم معك، وتخوفها منك، وتقول لها إنك أنت اللي أمرتها أن تعمل كل هذه الأعمال، وأنك أنت اللي قلت لها إن الأكل والسكن مش ببلاش، وإنها لازم تدفع ثمنه بعرق جبينها، ولهذا كانت البنت خائفة منك، ومش عارفة تفرق بين الحقيقة والكذب، وكانت تظن أنك موافق على كل ما يحدث، ولهذا لم تتكلم طوال السنتين.

شعرت وكأن صخرة سقطت على رأسي، فكل هذا الوقت كانت سلمى تظن أنني أنا السبب في معاناتها، وأنني أنا اللي أمرت بكل هذا، وكانت تتحمل الألم والظلم وهي صامتة، خائفة مني، خائفة أن أطردها من البيت، خائفة أن تفقد آخر شخص تربطها به صلة دم.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى