كنت لا أصلي قبل الثلاثين عام والآن أصبحت ملتزم بالصلاة هل المفروض قضاء ما فاتني

الحمد لله الذي هدانا وإياك إلى طريق الحق والاستقامة، ونسأله سبحانه وتعالى أن يثبت قلوبنا جميعاً على دينه حتى نلقاه. إن التوبة الصادقة والرجوع إلى الله سبحانه وتعالى هما من أعظم النعم التي يمن بها على عباده، فمن أقبل على الله تبارك وتعالى أقبل الله عليه وفرح بتوبته.
بدايةً، يجب أن تعلمي أن ما تفضلتِ بذكره يعكس قلباً حياً يبحث عن الخير والصلاح لنفسه ولأهله ولمن حوله. وإن تمنيكِ لتربية أبنائك على طاعة الله عز وجل لكي ينشأوا في بيئة صالحة هو عين الحكمة ورجاحة العقل، فإن الواجب على كل أب وكل أم أن يكونا القدوة الحسنة لأبنائهم في الأقوال والأفعال.
أولاً: التعامل مع الوالدة بحكمة ولين
إن حرصكِ على تذكير والدتكِ بالصلاة والصيام هو دليل على بركِ بها وحرصكِ على خيرها في الدنيا والآخرة. ولكن ينبغي أن يكون هذا النصح بالحكمة والموعظة الحسنة، وبأسلوب لين رقيق يلامس القلب، بعيداً عن الغلظة أو القسوة، حتى تقبل النصيحة وتستجيب لها. واستمري في الدعاء لها بظهر الغيب، فإن قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، وهو سبحانه القادر على كل شيء، القائل في كتابه الكريم: (إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء).
ثانياً: تربية الأبناء والتنشئة الدينية السليمة
إن الاستثمار الحقيقي والناجح في هذه الحياة هو تربية الأبناء تربية صالحة مبنية على تعاليم الدين الإسلامي الحنيف والأخلاق الفاضلة. ولتحقيق ذلك، يمكنكِ اتباع خطوات عملية واضحة:
القدوة الحسنة: الأطفال يتأثرون بما يروه أكثر مما يسمعونه، فرؤيتكِ وأنتِ تصلين وتصومين وتذكرين الله ستكون هي الدرس العملي الأول والأبقى في وجدانهم.
البيئة الإيمانية: احرصي على ملء البيت بذكر الله، وتشغيل القرآن الكريم، وتوفير القصص الدينية المبرزة للقيم والأخلاق النبيلة.
التدريج في التكليف: عودي أولادكِ على الصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، كما أرشدنا النبي صلى الله عليه وسلم، مع استخدام الترغيب والتحبيب والتشجيع المستمر.
الدعاء المستمر: لا تملي أبداً من الدعاء لهم بالهداية والصلاح والثبات، فإن دعاء الوالدين مستجاب بإذن الله تعالى.
ثالثاً: حكم قضاء الصلوات والصيام لمن تركها زمناً طويلاً
أما بخصوص ما فاتكِ من صلاة وصيام في سنين غفلتك، فهناك تفصيل علمي نافع ومريح إن شاء الله:
مذهب جمهور العلماء: يرى جمهور الفقهاء أن القضاء لازم لمن فاتته الصلوات والصيام، بحيث تتحرى مقدار ما فاتها وتصليه حسب الطاقة والاستطاعة بما لا يضر بصحتها أو بمعاشها. وإذا عجزت عن معرفة العدد بيقين، فتجتهد في القضاء حتى يغلب على ظنها براءة ذمتها. وكذلك الحال في الصيام، فإنها تحسب الأيام التي أفطرتها عمدا وتقضيها، ويمكنها أن تجعل صيامها أيام الإثنين والخميس قضاءً عما فاتها، فإذا أبرأت ذمتها صامت ما شاءت من تطوع. ومن العسير أحياناً حصر السنوات بدقة، لذا فإن القاعدة هي الاجتهاد والتيسير حسب الاستطاعة، مصداقاً لقوله تعالى: (فاتقوا الله ما استطعتم).
مذهب شيخ الإسلام ابن تيمية: يرى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن من ترك الصلاة زمناً طويلاً جهلاً أو تفريطاً، فإنه لا يلزمه قضاء ما فات، بل لا يشرع له ذلك، وإنما عليه التوبة النصوح والندم العظيم والكثرة من النوافل والسنن والطاعات لترجيح كفة الحسنات. والقول الأول للجمهور هو الأحوط والمفتى به عند كثير من أهل العلم، ولكل إنسان أن يختار ما يناسب حاله بقدر طاقته واجتهاده.
رابعاً: الإكثار من النوافل والسنن
إلى جانب أداء الفرائض وقضاء ما يلزم بحسب الاستطاعة، أكثري من النوافل والسنن والرواتب وصلاة الوتر، فإن النوافل تكمل ما نقص في الفرائض يوم القيامة، وهي طريق محبة الله عز وجل كما ورد في الحديث القدسي الصحيح: (ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه). احرصي على الاستغفار الدائم، والتسبيح، وقراءة القرآن الكريم، والصدقة، فإن الحسنات يذهبن السيئات.
نسأل الله العلي القدير أن يتوب عليك توبة نصوحاً، وأن يتقبل طاعاتك، وأن يصلح لك نيتك وذريتك، وأن يجعل القرآن العظيم ربيع قلبك ونور صدرك، إنه ولي ذلك والقادر عليه. والله أعلم.




