
ذهبت معه إلى الشقة، وطلب منها أن يخلو بها ليقضي معها بعض الوقت، مثلما اعتاد بعض الرجال من قبل. نظرت إلى وجهه، فرأته يشع نورًا، ولحيته السوداء تزيد ملامحه وقارًا. كان هناك شيء في مظهره جعلها تتساءل: لماذا يريد هذا الرجل مقابلتها؟ وما الذي يريده منها تحديدًا؟
لمحت خاتم الزواج في يده، فسألته:
— «هل أنت متزوج؟»
أجابها:
— «نعم.»
ازدادت حيرتها، وربما ظنت أنه لا يحب زوجته. وكأنه قرأ ما يدور في عينيها، فقال:
— «وأحب زوجتي حبًا كبيرًا.»
قالت له باستغراب:
— «تحب زوجتك، ومع ذلك تريد أن تفعل شيئًا يؤذيها؟»
ابتسم وقال:
— «لا تشغلي نفسك بهذا الأمر. أنت لك المقابل الذي اتفقنا عليه.»
كانت في داخلها أسئلة كثيرة، لكنها حاولت تجاهلها. قالت لنفسها إن الأمر لا يعنيها، وإنها ستنهي ما جاءت من أجله ثم تغادر.
نظر إليها الرجل وقال:
— «هيا بنا إلى شقتي.»
أجابته:
— «مثلما تريد.»
ثم أخرج هاتفه واتصل بسيدة، وقال لها:
— «من فضلك غادري الشقة الآن، فأنا سأأتي خلال نصف ساعة.»
ثم سألها عن اسمها.
قالت:
— «ريهام.»
فقال في الهاتف:
— «إنها ريهام… شكرًا لكِ يا زوجتي العزيزة.»
احمر وجه ريهام عندما سمعت كلماته.
قالت متعجبة:
— «هل كنت تحدث زوجتك؟»
قال:
— «نعم.»
— «وتطلب منها أن تترك المنزل حتى تأتي بي إليه؟!»
— «نعم.»
— «وكيف هذا؟ هل تعرف زوجتك ما يحدث؟»
أجابها بهدوء:
— «لا تشغلي نفسك بهذا الأمر. هيا بنا.»
ذهبت معه، وطوال الطريق كانت الأفكار تتزاحم في رأسها.
لم تكن تصدق ما يحدث، ولم تفهم من هذا الرجل أو ماذا يريد. مظهره لم يكن يشبه ما توقعته، وكل لحظة تمر كانت تزيد حيرتها.
وأثناء سيرهما بالسيارة، شغّل تسجيلًا لسورة النور بصوت الشيخ ماهر المعيقلي.
نظرت إليه بدهشة وسألته:
— «ما هذا؟»
قال:
— «أحب دائمًا الاستماع إلى القرآن الكريم، وخاصة بصوت الشيخ ماهر المعيقلي.»
قالت له:
— «وهل هذا وقت الاستماع إلى القرآن؟»
ثم سمعت القارئ يتلو آيات تتحدث عن العفة والتحذير من طريق الخطأ، فازدادت دهشتها.
قالت:
— «من أنت؟ وماذا تريد مني؟»
فكرت للحظة أن تهرب، لكنها لم تستطع اتخاذ القرار. كان هناك شعور غريب يدفعها إلى الاستمرار، وكأنها تسير في طريق لا تعرف نهايته.
عندما خرجت من السيارة، وجدت نفسها أمام مبنى جميل يشبه المسجد في تصميمه الخارجي.
قالت بصوت خافت:
— «أهذا منزلك؟»
ابتسم وقال:
— «نعم.»
قالت:
— «جميل… لكنه يشبه المسجد!»
أجاب:
— «إنه على الطراز الإسلامي.»
اقتربا من الباب، ثم فتحه وقال:
— «تفضلي.»
دخلت ريهام وقلبها ممتلئ بالقلق. أخذت تنظر إلى أركان المنزل.
كانت هناك رائحة طيبة، وأثاث بسيط، وآيات قرآنية تزين الجدران، وكان المكان مضيئًا بطريقة جعلتها تشعر وكأنها في وضح النهار.
سألته:
— «كيف المكان مضيء هكذا؟ لا أرى مصدرًا واضحًا للإضاءة!»
ابتسم وقال:
— «إنه نور القلب حين يبتعد عن طريق الخطأ.»
لم تفهم ريهام معنى كلامه، ولم تسأله عنه. كان كل ما يشغلها أن تعرف الحقيقة ثم تغادر.
قالت:
— «أين الغرفة؟»
أجابها:
— «لماذا أنت متعجلة؟ انتظري قليلًا.»
قالت:
— «ولماذا الانتظار؟ دعنا ننهي الأمر، فأنا مشغولة.»
قال:
— «نشرب شيئًا أولًا. ماذا تحبين أن تشربي؟»
قالت:
— «أي شيء.»
ابتسم وقال:
— «نشرب لبنًا أفضل.»
وبعد لحظات وجدت كوب اللبن أمامها.
تعجبت وقالت:
— «من أنت؟ أرجوك أخبرني بالحقيقة. أنت لا تبدو كما توقعت، وهذا المكان أيضًا لا يشبه المكان الذي كنت أظنه.»
ثم تابعت:
— «أشعر بشيء غريب لا أستطيع وصفه، وكأنني في عالم مختلف. من أنت؟ وماذا تريد مني؟»
ابتسم الرجل وقال:
— «سلمي على ضيفتيك أولًا.»
نظرت ريهام إلى المكان الذي أشار إليه، وفوجئت عندما رأت امرأتين تشبهانها تمامًا.
كانت إحداهما شاحبة ومرهقة، وتبدو عليها علامات المرض والتعب الشديد، وكانت تقول بألم:
— «يا رب، ألهمني الصبر وارحمني من هذا التعب.»
أما الأخرى فكانت محجبة، هادئة الملامح، والطمأنينة واضحة على وجهها.
قال لها الرجل:
— «رحبي بضيفتيك.»
قالت ريهام بدهشة:
— «من هاتان؟ إنهما تشبهانني تمامًا!»
ابتسم وقال:
— «بل هما صورتان محتملتان لطريق حياتك.»
تعجبت وقالت:
— «كيف؟»
أشار إلى الصورة الأولى وقال:
— «هذه صورة لما قد تصلين إليه إذا واصلتِ الطريق الخطأ، وما قد يترتب عليه من تعب وندم وخسارة.»
ثم أشار إلى الأخرى وقال:
— «وهذه صورة لحياة مختلفة، تبدأ عندما يختار الإنسان طريق الإصلاح والابتعاد عن الخطأ.»
قالت ريهام:
— «وهل يمكن للإنسان أن يغير طريقه؟»
فقال:
— «باب التوبة مفتوح ما دام الإنسان صادقًا في رجوعه إلى الله.»
ثم تلا عليها معنى الآية الكريمة التي تدعو إلى التوبة والعمل الصالح، وأن الله يغفر لمن رجع إليه بصدق.
شعرت ريهام بالخوف والندم وقالت:
— «يا الله… لا أريد أن أواصل الطريق الخطأ.»
ثم سألها:
— «أي الطريقين تختارين؟»
قالت:
— «إذا كان لي حق الاختيار، فأختار طريق الصلاح، وأريد أن أبدأ حياة جديدة.»
ابتسم وقال:
— «ارجعي إلى الله، واستغفريه، واطلبي منه الثبات والهداية. فالإنسان يستطيع أن يغير طريقه عندما يصدق في توبته.»
قالت:
— «أخبرني بالله عليك، من أنت؟»
أجاب:
— «أنا مجرد سبب في رسالة وصلت إليك. هناك امرأة أحسنتِ إليها يومًا، ودعت لكِ أن يهديكِ الله ويردكِ إليه ردًا جميلًا، فكانت دعوتها سببًا في أن تسمعي هذه الكلمات اليوم.»
قالت ريهام:
— «الحمد لله رب العالمين.»
وفجأة استيقظت ريهام من نومها.
كانت قد رأت حلمًا مؤثرًا جعلها تستيقظ وهي تشعر بتوتر شديد، وكأن الحلم جاءها في اللحظة المناسبة.
تناولت كوبًا من الماء، وأخذت تستغفر الله وتردد الشهادة، ثم توضأت وأدت صلاتها، وجلست تدعو الله أن يعينها على تغيير حياتها.
امتلأت عيناها بالدموع، وشعرت لأول مرة منذ فترة طويلة بأنها تريد أن تبدأ من جديد.
ومنذ ذلك اليوم، ابتعدت عن الطريق الذي كان يؤذيها، وبدأت حياة مختلفة، تحاول فيها إصلاح ما مضى والاقتراب من الله.
وقد قال الله تعالى:
«قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ».
وقال تعالى:
«وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ».
صدق الله العظيم.
كانت تلك الليلة بداية جديدة لريهام، فقد أدركت أن الإنسان مهما ابتعد، يستطيع أن يعود إلى الطريق الصحيح ما دام صادقًا في نيته، وأن الأمل لا ينتهي ما دام باب التوبة مفتوحًا.
دمتم بأمان الله.




