
فى أحد أحياء القاهرة المزدحمة بالطبقة المتوسطة وما تحتها …حيث نرى سلاسل البنايات المتراصة دون تناسق….. ملتحمة بعضها ببعض وكأنها تشد أزرها وتهون عليها أثر هذا الزحام الغير مقصود من التكتلات العائلية والاسرية البسيطه… مع اختلاف الالوان والعقائد والمعاملات…. حيث الاختلاف النوعى البشرى الطبيعى والذى تتميز به بلدنا عن غيرها من البلاد ….نعم تختلف العقيدة واللون والمستويات الاجتماعية منذ سنوات وسنوات ….ولكن أجتمعوا على حب هذه الجيرة القديمة والاثار المترتبة عليها من ود وشهامه وتقارب روحى وصلة لا تنفك ان تنقطع ابدا…. ففيها يطيب السمر بأجتماع الاحبة وتختزل الذكريات الجميلة وتحلو سنوات الطفولة بكل تفاصيلها التى تأبى الذاكره على محوها يوما ما…..والتى أنطلق من خلفيتها شباب وفتيات فى عمر الزهور فى مجالات التعليم والعمل المختلفة كل له هدف وأتجاه وطريق يتخذه سبيلا لتحقيق طموحاته
ومن هؤلاء الشباب شاب فى مقتبل العمر ذات ملامح مصرية هادئة جذابة تتميز بالرجوله من أول وهله.. وقف فى ساحة الجامعة ينتظر شخص ما فى قلق واضح ..يدور بعينيه باحثا عنه وسط التجمعات الشبابية الكبيرة التى تتهافت متلهفة لمعرفة نتيجة أختبارات نهاية العام الدراسى وبالأخص نتيجة الليسانس التى ينبرى من أجلها منذ أربع سنوات جهد ودراسة كخطوة على طريق حلمه الكبير……
وأخيرا ظهرت دنيا من وسط الزحام مبتسمة وأقبلت عليه فى لهفة تهتف به فى سعادة واضحه بعينين لامعتيننجحنا يا فارس ..نجحنا نجحنا
أتسعت ابتسامته وخفق قلبه بشدة وهو يخطو نحوها بخطوات واسعة مضطربة وهو يبادلها الهتاف بتكلمى جد……قوليلى بسرعه تقديرى ايه وتقديرك ايه
عقدت ذراعيها أمام صدرها قائلة بأبتسامه واسعه تدفع كام
أمسكها من ذراعيها بتوتر هاتفا قولى بقى أنا خلاص أعصابى باظت
أبتسمت فى شغف قائلة مبروك يا سيدى جيد جدا زى كل سنه …وانا طبعا مقبول زى كل سنه
ضحك فى سعادة كبيرة وهو يفرك كفيه فى بعضهما البعض قائلاالحمد لله أنا كده حطيت رجلى على أول سلمه
ضحكت دنيا بينما أقبلت عليهما فتاة أخرى تمشى نحوهما وعينيها مثبتة على فارس وعلى السعادة التى تبدو على وجهه وما أن أقتربت حتى قالت بمرح مبروك النجاح من غير ما أعرف النتيجه
ألتفت اليها فارس بمرح قائلاالله يبارك فيكى يا عزة ..الحمد لله جيد جدا
قالت بسعادة بالغه الحمد لله أنا كنت متأكده
أمسكت دنيا بكف فارس ونظرات الغيرة مطلة من عينيها وهى توجه حديثتها ل عزة قائلهالله يبارك فيكى يا عزة عقبال ما تباركيلنا على الخطوبة قريب إن شاء الله
أطرقت عزة براسها وقالت بهدوئها المعتاد مبروك مقدما عن أذنكم
ألتفتت لترحل ولكن تذكرت شىء مهم فأستدارت مرة أخرى وقالت له أنا هروح دلوقتى وأكيد مامتك هتقابلنى وهتسألنى على النتيجه ..تحب أقولها ولا أنت عاوز تكون أول واحد تبلغها خبر النجاح
نظر لها فارس بأمتنان قائلا قوليلها طبعا وهى أصلا منبهه عليا أول ما أعرف النتيجه أكلمها على طول ..وأردف مبتسما انتى عارفه بقى خالتك أم فارس مش هتستنى لما أروحلها…..
ابتسمت عزة قائلة طبعا عارفاها زمانها قاعده مع ماما فى البلكونه مستنين اللى يوصل فينا الاول
ضحك فارس وضحكت وهى تلوح مودعة لهمايلا أمشى أنا بقى سلام ..ومبروك مره تانيه
لوح لها فأمسكت دنيا يده وهى تقف أمامه وتنظر اليه بشك قائلةطبعا لو قلتلك انا مبحبش البت دى هتقولى دى جارتى ومتربين مع بعض ومينفعش مكلمهاش..مش كده
قبض على كفها ببطء وهو يقول بقولك إيه سيبك من الكلام الفاضى ده وتعالى نروح نقعد فى أى حته
أستقلت معه أحد سيارات الاجرة وهى تهمس بتذمر واضح
كده يا فارس بتركبنى ميكروباص ده انا عندى أخدها مشى أحسن
أشار لها أن تصمت حتى يترجلا من السيارة …ترجلت دنيا من السيارة بمعاونة فارس وقفت أمام الحديقة عاقدة ذراعيها أمام صدرها بحنق قائلةهى دى المفاجأه جايبنى جنينه زى دى
أختفت الابتسامه من محياه وهو ينظر اليها بحزن قائلا
ما انتى عارفه يا دنيا انا مقدرش على غير كده ….أنتظرها تجيبه ولكنها ظلت عاقدة حاجبيها حانقة
فاردف قائلايعنى هتضيعى علينا الساعه اللى خارجينها مع بعض ..أمشى يعنى!
قالت وهى تلوح بعدم رضى لا متمشيش.. أمرى لله يلا ندخل
جلسا الى مقعد أمام النيل مباشرة وألتفت اليها ونظر لها بحب قائلادنيا ..انا عاوز آجى أتقدم بقى
ألتفتت اليه بسرعة قائله لالا مش دلوقتى لما مرتبك يزيد شويه
فارس يا حبيبتى الدكتور حمدى وعدنى أول لما أتخرج هيزود مرتبى على طول يبقى نستنى ليه بقى..
دنيايا حبيبى مش قصدى… أنا قصدى يعنى نصبر شويه ..لما المرتب يزيد ونشوف هنعمل ايه
نظر لها بأستنكار وألتفت الى النيل مرة أخرى ولم يتحدث …شعرت دنيا بغضبه وأستنكاره فهو دائما يظهر فى عينيه ما لا يريد البوح به
فقالت مستدركه يا حبيبى أفهمنى أنا عاوزاك تصبر لما تشوف تعينات النيابه مش جايز حلمك يتحقق وتبقى وكيل نيابه قد الدنيا وساعتها تتقدم بقلب جامد لبابا
أستدار اليها بجسده دفعة واحدة وقال بعصبيه
انتى كمان عاوزانا
وهى قاعده جنبك بتغضب ربنا هتروح تقول لربنا ايه ولو انت مت وانت قاعد جنبها وماسك ايدها هتروح تقول لربنا ايه هتقوله كنت بتغضبه ليه وعشان ايه
هو حد ضامن عمره هيخلص أمتى يا فارس
دخل فارس
المكتب بعد صلاة المغرب وألقى التحيه على الجميع ثم توجه الى حجرة مكتبه هو وزملائه وجد دنيا ونورا يتحدثان ويتعرفان الى بعضهما البعض وسمع دنيا تسأل نورا عن باسم قائله وأستاذ باسم متجوز من زمان ولا لسه قريب …
نورا لا من زمان وعنده ولد وبنت
بمجرد أن رأته نورا نهضت واقفه بأبتسامه قائله حمدلله على السلامه ازيك يا استاذ فارس
حاول فارس ان يتجنب النظر اليها هى ودنيا وهو يقول بود وأحترام الله يسلمك يا استاذه حمد لله على السلامه
نورا الله يسلمك
أقتربت دنيا خطوات منه قائله ايه مفيش أزيك يا دنيا ولا ايه
وضع عينيه فى الاوراق وهو يقول ازيك يا أستاذه دنيا
أتكأت على المكتب وهى تقول بخفوت انت عارف انى مبقدرش على زعلك انا اسفه يا سيدى فكها بقى
هز راسه نفيا وهو يقول مش زعلان من حاجه وياريت نأجل الكلام ده لبعدين
قالت بدلال تبقى لسه زعلان
وضع القلم على الاوراق بعصبيه وحاول خفض صوته وهو يقول دنيا من فضلك أجلى اى كلام دلوقتى واحنا مروحين هنتكلم زى ما انتى عاوزه لانى عاوزك فى موضوع مهم جدا ..محتاج أتكلم معاكى فيه ضرورى
خرج باسم من حجرته وهو يقول لدنيا من فضلك يا استاذه دنيا عاوزك شويه ودخل حجرته مرة أخرى وهو يقلب عدة ملفات بين يديه
نهض فارس واقفا پحده وقال لها لما تدخلى متقفليش الباب وراكى
تركتهم دنيا ودخلت حجرة مكتب باسم وتركت الباب كما أمرها فارس فنظرت نورا اليه قائله مالك يا استاذ فارس فى حاجه مضايقاك قلقان من حاجه
هز راسه نفيا وهو يقول ابدا يا أستاذه مفيش حاجه دنيا خطيبتى وانا محبش يتقفل عليها باب أوضه مع اى حد حتى مع الدكتور حمدى نفسه
ابتسمت قائله هى برضه لسه كانت بتحكيلى عنك وعن غيرتك عليها .. ربنا يتتملكم على خير يارب
أخذ فارس يقلب الصفحات فى شرود تام لا يدرى من اين يبدأ معها…… وكيف سيكون وقع كلماته عليها ……وهل ستتقبل هذا الامر بسهوله أم ستظن انه يتملص من زواجه منها بهذا القرار المفاجىء…….
وكيف سيستمر يراها ويتعامل معها وهى زميلته فقط …….وكيف سيستطيع كتم مشاعره تجاهها ……وهل سيقدر على ذلك كله ….هل ستكون تلك المشاعر مثل الامواج الثائرة التى تتحطم عند ارتطامها بصخرة الحلال والحرام …..هل سيستطيع الصبر عليها وكبح جماحها ام ستتفلت منه ومن بين اصابعه دون ان يدرى لتندفع الى منسوبها الاول كما كانت بل واقوى…….
كانت كل تلك التساؤلات تموج بها راسه پعنف ويخفق قلبه لها بقوة ولم تتركه الا وعينيه كانت تنطق بالحيره فى وجوم تام تنتظر ما سيحدث ولا تملك غير ذلك وفقط..أيها الانتظار لو كنت رجلا .
.
الفصل الرابع
أشار باسم إلى دنيا بالجلوس فى المقعد المقابل له دون أن ينظر إليها وهو يتأمل الورقة فى يده ثم مد يده بها إلى دنيا وهو مازال ينظر للورقة ويقول باهتمام
عاوزك تقرأى المذكرة دى كويس وتكتبيلى ملحوظاتك عليها
مدت يدها لتمسك بها وهى تقول
أيوا بس أنا لسه ..
بترت عبارتها عندما شعرت بيده وهى تتلمس أصابعها من أسفل الورقة وهو يبتسم لها بهدوء وكأنه شىء عادى تلعثمت حروفها وجذبت يدها فى ارتباك ولم تتكلم ألتفتت إليه فوجدته يتفحصها ويتأمل ردود أفعالها الصامتة على محاولته التى كانت عينة اختبار لها ليس إلا والنتيجة كانت مشجعة فنهض واقفا ودار حول مكتبه وتلمس ظهر مقعدها وهو يقول
معلش كل حاجة فى الأول صعبة.. بكره تتعلمى
شعرت بأصابعه تتلمس ظهرها وكتفها فنهضت فى ارتباك وقد احمرت وجنتيها أستدرك قائلا
هو الأستاذ فارس خطيبك فعلا زى ما سمعت .. مش شايفك يعنى لابسه دبلة
تنحنحت وقد زاد توترها وهى تقول
أيوا أحنا مخطوبين بس لسه ملبسناش دبل
رفع حاجبيه فى تصنع وقال بسخرية
مممم يعنى لسه مش رسمى
ثم أردف بمكر
يا شيخة سيبك .. جواز أيه وبتاع أيه
رفعت رأسها إليه وقالت
ليه بقى هو حضرتك مش متجوز برضة وعندك أولاد
أتسعت ابتسامته وكاد أن يضحك وهو يقول
أيه ده وكمان متابعة أخبارى
قالت على الفور
أنا عرفت صدفة
ثم تناولت الأوراق وهى تقول
طيب حضرتك انا هقرأها وهحاول افهم الموضوع
سحبها منها ببطء وهو ينظر لعينيها بجرأة قائلا
لا خلاص خليها بعدين
زاغ بصرها وقالت وهى تتجه نحو الباب
طب عن أذن حضرتك
شعرت بنظراته تخترق ظهرها وهى تدلف للخارج فهى مثلها مثل كل أنثى تستطيع أن تشعر بنظرات الرجل وتلميحاته والأمر يعود إليها إما تصده بقوة وإما أن تعطيه الضوء الأخضر ! .
أما هو فقد علم طبيعة الفتاة التى أعجب بجمالها هى مرتبطة عاطفيا ورغم ذلك لا تريد أن ترسم حدودا قوية لا يتعداها الرجال معها




