قال رسول ﷺ من نام وفي يدهِ غمرٌ ولم يغسلْهُ فلا يلومنَّ إلَّا نفسَه ..فما هو الغمر ؟

يُعنى باب غسل اليد من الطعام ببيان الأدعية والأحكام والآداب النبوية المتعلقة بالنظافة الشخصية بعد تناول الوجبات، وتحديداً ما ورد في سنة النبي صلى الله عليه وسلم من توجيهات حكيمة تحرص على سلامة الإنسان وحمايته من الأضرار المحتملة. ومن أبرز ما ورد في هذا الباب الحديث الشريف الذي رواه الإمام أبو داود في سننه، بشرح العلامة عبد المحسن بن حمد العباد رحمه الله.
نص الحديث الشريف وتخريجه
قال المصنف رحمه الله تعالى:
[ باب: في غسل اليد من الطعام. حدثنا أحمد بن يونس حدثنا زهير حدثنا سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (من نام وفي يده غمر ولم يغسله فأصابه شيء فلا يلومن إلا نفسه) ].
ويُعد هذا الحديث من الجوامع النبوية التي تجمع بين التوجيه الصحي الوقائي والأدب الاجتماعي الرفيع.
معاني الألفاظ والبيان الإجمالي للحديث
قوله: [ باب في غسل اليدين بعد الطعام ] يشير إلى استحباب غسل اليدين وإزالة ما علق بهما من دسومة أو بقايا طعام. و”الغمر” في اللغة هو الدسومة والزهومة والريح التي تبقى في اليد بعد أكل اللحم أو الأطعمة الدسمة.
إن الحكمة من هذا التوجيه النبوي تتلخص في أمرين رئيسيين:
الوقاية الصحية والأمن الشخصي: لأن بقايا الطعام والدسومة على اليد تجذب الحشرات والهوام، وخاصة ذوات السموم كالعقارب والحشرات الضارة التي تجذبها الروائح، مما قد يرض الإنسان للأذى أثناء نومه وهو غافل. ومن هنا جاء قوله صلى الله عليه وسلم: (فلا يلومن إلا نفسه) تنبيهاً على أنه مفرط بتعرضه للأذى نتيجة ترك النظافة.
مراعاة مشاعر الآخرين: فترك الائتمار بنظافة اليدين قد ينشر روائح قد تضايق الجلساء، أو يشمها الفقير الذي لا يجد ما يأكله فيتحسر قلبه، فكان غسل اليدين باباً من أبواب الذوق العام والمواساة الخفية.
تراجم رجال إسناد الحديث
تتجلى دقة علم الإسناد عند المحدثين في معرفة رجال السند الذين نقلوا لنا هذه السنة النبوية المطهرة:
أحمد بن يونس: هو الإمام الثقة المتقن، وقد أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، مما يدل على علو مرتبته في الحفظ والضبط.
زهير: هو زهير بن معاوية، الإمام الحافظ الثقة، المخرج حديثه أيضاً في الكتب الستة.
سهيل بن أبي صالح: صدوق حسن الحديث، أخرج له أصحاب الكتب الستة وروى عنه البخاري مقروناً بغيره.
أبو صالح ذكوان السمان: والد سهيل، وهو تابعي جليل وثقة ثبت، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
أبو هريرة رضي الله عنه: عبد الرحمن بن صخر الدوسي، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأكثر الصحابة رضوان الله عليهم رواية للحديث النبوي الشريف وحفظاً لسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم.
دروس وعِبر مستفادة من الحديث
الحرص على النظافة الشخصية: فالإسلام دين طهارة ونظافة، ويحث المسلم على أن يكون طاهر البدن والثياب والنظافة الدائمة في مطعمه ومבשره.
الأخذ بالأسباب الوقائية: الشريعة الإسلامية لا تكتفي بالأذكار الروحية فحسب، بل تأخذ بالأسباب الدنيوية المادية للوقاية من الأضرار والأذى، مثل غسل اليدين قبل النوم لتجنب الهوام والحشرات.
عناية علماء السنة ببيان الأحكام: يُظهر شرح أهل العلم لهذا الحديث مدى عمق استنباط الفوائد الشرعية والتربوية والوقائية من ألفاظ النبي صلى الله عليه وسلم، مما يجعل سنة النبي حارسة لحياة الإنسان وسلامته البدنية والنفسية في آن واحد.




