قصص و روايات

كان بيقول عليهم بناته

في ريف ولاية غرب فرجينيا المعزول سنة 1886، كانت مزرعة عائلة برينان تشبه الجزيرة المغلقة على نفسها، بعيدة عن أعين القانون والمجتمع. يحكمها رجل واحد بقبضة من حديد يدعى سيلاس برينان. لم يكن سيلاس مجرد أب عادي أو مزارع بسيط، بل نصب نفسه سيداً ومشرعاً يفرض شريعته الخاصة داخل جدران البيت، مستخدماً مزيجاً مشوهاً من النصوص الدينية والقوانين الصارمة التي تختزل الحياة في طاعة عمياء وصمت مطبق يمنع طرح الأسئلة أو الاعتراض.

 

عاشت في تلك المزرعة أربع أخوات هن: إليث، ماف، رونين، وفيانولا. كن محاصرات تماماً داخل حدود البيت، بلا زوار، بلا تواصل مع العالم الخارجي، ودون أن يسمح لأحد حتى بمعرفة تفاصيل حياتهن الداخلية. سنوات طويلة مضت وصوت الريح في جبال فرجينيا هو المؤنس الوحيد لصمت المكان، بينما كانت الجدران تخفي خلفها أسراراً مظلمة وقواعد قاسية فرضها سيلاس بفرض السيطرة المطلقة على كل تفصيلة في حياة الشقيقات.

كان سيلاس يخبر الجميع دائماً أن أم البنات، التي تدعى كونستانس، قد توفيت منذ نحو خمسة عشر عاماً، وأنه تولى تربية بناته بمفرده. ظل هذا الادعاء حقيقة مسلم بها لا يقوى أحد على مناقشتها، وبقي الوضع مستقراً في ظاهره على وقع الخوف والرهبة، إلى أن بدأ درع الصمت يتصدع تدريجياً.

بدأت الشرارة الأولى عندما زار المزرعة في أحد الأيام شخص يدعى جدودايا موريس، وهو صديق قديم لسيلاس. خلال الزيارة، بدأ جدودايا يطرح أسئلة بريئة ظاهرياً عن كونستانس، متسائلاً عن ظروف مرضها وخوفها قبل وفاتها. تلك الأسئلة المباغتة زرعت أول بذور الشك والاضطراب في رأس سيلاس، وجعله يشعر بأن حصونه الوهمية بدأت تتعرض للاختراق.

بعد ليلتين من تلك الزيارة، وقعت الحادثة التي لم تكن في حسابات الأب المسيطر. تجرأت فيانولا، أصغر الأخوات، وسألت أباها بسؤال عفوي وبسيط عن شكل والدتها وكيف كانت تعيش عندما كانت في سن صغيرة. وقع السؤال على سيلاس وقع الصاعقة؛ ففي لفتة تعكس مدى قسوة وسيطرته، هوت يده بقسوة على وجه فيانولا، موجهاً لها توبيخاً حاداً ومحذراً إياها من مجرد التفكير في فتح هذا الملف مرة أخرى. أكد لهن بحدة أن الأم ماتت ودفنت، وأن ذكرى الماضي محرمة تماماً، وأن مكانها ليس بين الأحياء.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى