
في نفس الوقت ده، في الفيلّا، السهرة كانت لسه شغالة. مؤمن قعد على السفرة وسط أهله وهو حاسس بنشوة انتصار مش طبيعية.
حماتي لوحت بإيدها وهي بتاكل قطعة الجبنة القريش بالطماطم اللي أنا عملتها: أهو كده يا مؤمن يا ابني.. نفضت إيدك من العيل اللى كان كابس على نفسك. دي لا شكل ولا منظر قدام معارفنا، وبكره أجوزك ست ستها.. بنت عيلة وحسب ونسب تشرفك في اجتماعات الشركة.
مؤمن ضحك وسند ضهره لورا: أنا سيبتها تلات سنين عشان ميبقاش عليا لوم قدام ربنا، بس خلاص.. الست دي مكنتش هتقدم لي حاجة في مستقبلي. وبكره الصبح هخلي السواق يرمي لها باقي هدومها في أي شنطة بلاستيك ويبعتها لها.
ابن عمه تامر رفع كاست العصير: بس البت كانت شاطرة في الأكل الصراحة.. مين هيعملنا الفطار العظيم ده تاني؟
كلهم ضحكوا.. ضحكات عالية رنت في صالة الفيلّا اللي كانت من كام ساعة بس.. بيتي.
الساعة جيت تمانية الصبح.
مؤمن صحي من النوم على صوت تليفونه بيرن بعنف. بص في الشاشة لقى المهندس مدحت شريكه والمستثمر الأكبر في المشروع الجديد اللي كانوا هيعلنوا عنه الأسبوع الجاي.
مؤمن رد وهو لسه بيتمطع: أهلاً يا مدحت بيه.. صباح الخير.
صوت مدحت جه قاطع وزي الرعد: صباح الزفت يا مؤمن! إيه المهزلة اللي مبعوتالي على الإيميل من الفجر دي؟
مؤمن اتعدل في سريره: مهزلة إيه يا فندم؟ مش فاهم.
مدحت بيه زعق: محامين مدام رانيا بعتولنا إنذار رسمي على يد محضر، ومرفق معاه صور عقود الشراكة الأصلية اللي تثبت إن خمسين في المية من أصول الشركة، وأرض المصنع، ورأس المال بالكامل مدفوع من ورث أبوها الله يرحمه! ومش بس كده.. مبعوت كمان طلب رسمي بوقف التعامل على الحساب المشترك للمشروع لحد ما يتم تصفية الحسابات وفض الشراكة! أنت مخبي عليا إن مراتك هي الضامن المالي الحقيقي ليك؟ أنت قايل لي إن الفلوس دي كلها بتاعتك ومن شطارتك!
مؤمن الوعي طار من عينه، والدم هرب من وشّه: مدحت بيه.. استهدى بالله، رانيا دي مراتي ودي مشاكل عائلية تافهة، أنا هلم الموضوع…
مدحت قاطعه: مراتك إيه يا غبي! أنت لسه عارف؟ أنت طلقتها في شهور العدة يعني مفيش حد هيلم حاجة! وكمان باعتين إنذار بوجود شيكات مقبولة الدفع باسمها بمبلغ اتنين مليون جنيه كقرض شخصي منك ليها! أنت مين يا مغفل؟ أنا مش هخاطر باسمي مع واحد نصاب ومُهدد بالإفلاس والقضايا.. المشروع اللي بيننا اتلغى، وبكره الصبح الشئون القانونية عندي هتبعت لك طلب بفسخ العقد واسترداد مقدم التعاقد بتاعي.
السكة اتقفلت في وش مؤمن.
وقف في وسط الأوضة مش فاهم حاجة.. تليفونه رن تاني.. المرة دي كان مدير البنك اللي فيه حسابات الشركة الشخصية والتجارية.
أهلاً يا مؤمن بيه.. بنعتذر لحضرتك، بس جالي الآن أمر حجز تحفظي صادر من المحكمة بناءً على دعوى مرفوعة بطلب فض شراكة مستعجل من مدام رانيا، وتم تجميد حسابات الشركة وحسابك الشخصي لحين الفصل في الدعوى أو تقديم كفالة تعادل قيمة الشيكات المرفوعة ضدك.
مؤمن حس إن الأرض بتلف بيه. تلات سنين كان ناسي تماماً إن رانيا معاها الأوراق دي. تلات سنين كان فاكر إن طيبتها وهدوءها وسكوتها ده ضعف وهبل.. نسى إنها وافقت تمضي العقود دي معاه في البداية لمجرد إنها تحمي فلوس أبوها، ومحبش يظهر ده قدام أهله عشان بريستيجه كرجل أعمال.
نزل جري على السلم وهو لابس بنطلون البيجامة والقميص مش متقفل.
حماتي كانت قاعدة بتشرب القهوة في الصالون، وبتقرأ مجلة: في إيه يا مؤمن يا حبيبي؟ مالك بتجري كده ليه؟
مؤمن صوته كان طالع مخنوق: رانيا.. رانيا خربت بيتي!
في اللحظة دي، جرس الباب رن. الشغالة فتحت، ودخل شخصين ببدل رسمية ومعاهم محضر من المحكمة.
المحضر بص لمؤمن: الأستاذ مؤمن الشناوي؟
مؤمن بلع ريقه: أيوه.. أنا.
المحضر: معانا أمر تنفيذ بتسليم العين الفيلّا مناصفة، وإثبات حالة بتمكين مدام رانيا من الجناح الشرقي للفيلّا بناءً على عقد الملكية المشترك، وكمان فيه إعلان بحظر التصرف في العربيتين الملاكي اللي واقفين بره لأنهم مسجلين كأصول تابعة للشركة المجمدة.
حماتي وقفت والدهب بيشخلل في إيدها: أنت بتقول إيه يا راجل أنت؟ فيلّا إيه اللي نصها لرانيا؟ وعربيات إيه؟ دي فيلّا ابني وعربيات ابني!
المحضر ببرود: يا فندم اتفضلي اقري الأوراق.. الكلام ده قانوني وممضي من قاضي الأمور المستعجلة. لو عندكم اعتراض، قدموا إشكال في المحكمة بكره.. اتفضل امضي هنا يا مؤمن بيه.
بعد يومين..
الوضع في الفيلّا اتقلب جحيم. الحسابات مقفولة، ومؤمن مش عارف يسحب قرش واحد عشان يدفع للموردين بتوع المصنع، العمال بدأوا يضربوا عن الشغل، والمستثمرين بيهربوا واحد ورا التاني زي الفئران من مركب بتغرق.
وفوق كل ده.. أنا رجعت.
دخلت الفيلّا ومعايا المحامي بتاعي واتنين رجالة من طرفي عشان ينقلوا حاجتي لجناحي الخاص. مؤمن كان قاعد في الصالون وشكله متبهدل، دقنه طلعت، وهدومه مش مكوية، وحماتي قاعدة جنبه وشها أصفر وزي الليمونة المعصورة.
أول ما شافتني، وقفت وزعقت بصوت مرعوش: أنتِ ليكي عين تيجي هنا تاني بعد ما خربتي بيت ابني؟ دي آخرة المعروف؟
وقفت قدامها، وبصيت لها بكل برود: معروف إيه يا حاجة فوزية؟ المعروف اللي كنت بأكلكم بيه من خير أبويا؟ ولا المعروف بتاع ابنك اللي مد إيده عليا قدامكم وكلكم ضحكتوا؟
بصيت لمؤمن اللي كان باصص في الأرض ومش قادر يرفع عينه في عيني: شايف يا مؤمن؟ القلم اللي ضربتهوني قدام عيلتك.. تمنه غالي أوي. تمنه اسمك، وشركتك، ومنظرتك اللي كنت بتعيشها على حسابي.
مؤمن وقف وبدأ يتكلم بنبرة فيها رجاء ومذلة: رانيا.. إحنا عشرة تلات سنين.. مكنش العشم.. أنا كنت متضايق والشيطان شاطر.. تعالي نقعد ونحل الموضوع ودي، وأنا هكتب لك كل اللي أنتِ عايزاه بس شيلي القضايا وفكي الحسابات.. الشغل بيقع!
ضحكت ضحكة مكتومة، الضحكة اللي تمنيت أضحكها من تلات سنين: عشرة؟ أنت عرفت العشرة دلوقتي لما الفلوس راحت؟ لما بقيت مش لاقي تدفع قسط العربية؟.. الحل الودي ده كان زمان لما كنت باجي أشتكي لك من قسوتك وقسوة أهلك وتقولي أحمدي ربنا إني ملمعك.. دلوقتي القانون هو اللي بيتكلم.
المحامي بتاعي اتدخل: يا مؤمن بيه، القضية المرفوعة مش بس فض شراكة.. فيه قضية تبديد منقولات زوجية، وقضية سب وقذف واعتداء بالضرب بشهادة الشهود والتقرير الطبي اللي مدام رانيا عملته بعد ما خرجت من هنا عل طول. يعني لو مخلصناش حقوقها بالقرش والمليم.. الموضوع مش هيبقى إفلاس وبس، هيبقى فيه حبس كمان.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




