قصص و روايات

نهاية الجبروت حكايات مني السيد حصري

ساب إيدي، ومشى خطوات تقيلة لحد ما وقف قدام أمه بالظبط. وطى صوته، بس النبرة كانت بتدق في العضم
الفلوس اللي اتسرقت من دموع البنت دي، والتحويلات اللي كنت باعتها باسم علاجها وعيشتها، هترجع بالقرش.. مش عشان نادية ولا عشان هدير، عشان أنا مش هسمح لقرش حرام يدخل بيتي أو يصرف على أمي.
حماتي، برغم الڤضيحة والورق اللي مرمي على السفرة، رفعت راسها بغل وقالت وهي بتنهج
حرام؟! بقى الفلوس اللي بصرفها على البيت وعلى لقمة عيشكم بقت حرام يا طارق؟! نسيت أنا عملت إيه عشانكم؟! نسيت شقايا عليكم لما أبوك ماټ وسابكم لحم على وضيمة؟! جايب لي بت شحاتة من الشارع وجاي تحاسبني في بيتي وعلى شقا عمري؟!
طارق مسك دراع الباب وقبضته ابيضّت من كتر الغيظ
البيت ده شقايا أنا وأخويا، ومحدش ليه فضل غير ربنا ثم تعبنا في الغربة! والبت اللي بتقولي عليها شحاتة، دي أمانة في رقبتنا من يوم ما أخويا اتجوز أختها.. وإنتِ بدل ما تصوني الأمانة، رميتيها وأكلتي حقها، وجاية هنا تعملي عليا ست الشيخة وتتحكمي في لقمة مراتي وأكلها وخير أهلها!
في اللحظة دي، باب الشقة اتفتح بمفتاح، ودخل محمود أخو طارق وجوز نادية، وكان شايل شنط طلبات وراجع من شغله تعبان. وقف على العتبة، عينه وسعت لما شاف المنظر الأكل المدلوق على الأرض، مراته نادية المڼهارة في حضڼ هدير، وطارق الواقف في وش أمه والورق المرمي على السفرة.
محمود رمى الشنط من إيده وقال بخضة
فيه إيه؟! إيه اللي بيحصل هنا؟! طارق.. إنت نزلت إمتى؟! وهدير بتعمل إيه هنا؟! مش كانت في شغلها في إسكندرية؟!
نادية قامت وقفت على حيلها، ووشها كان مقلوب من كتر القهر، وصړخت في جوزها بصوت شرخ الحيطان
لا إسكندرية ولا شغل يا محمود! أمك ضحكت علينا كلنا.. أمك رمت أختي اليتيمة في ملجأ باسم مش اسمها، وكانت بتلهف فلوس التحويلات اللي بتتبعت لها، وقايلالنا إنها في نعيم ومبسوطة!
محمود بص لأمه بذهول مش مستوعب
أمي؟! الكلام ده بجد؟!
حماتي حاولت تلعب لعبتها الأخيرة، راحت واقعة على الكرسي ومسكت صدرها كأن جالها أزمة قلبية، وبدأت تطلع أصوات وتكح
آآه يا قلبي.. ولادي واقفين يحاكموني عشان عيلة غريبة! عاوزين ټموتوني عشان ترتاحوا؟! الحقني يا محمود.. طارق جاي ملوّث عقله من مراته وعايز يطردني من بيتي!
بصتلي أنا بالذات وهي بتشاور بإيدها المرتعشة، وبتقول بمكر
هي السبب.. الحية دي هي اللي وجّرت ابنك عليا من يوم ما دخلت البيت! عشان مبخلفش وعينها فارغة، جاية تقوّمه على أمه!
أنا دمي فار، ولسه هنطق وأرد، طارق رفع إيده ووقفني، وبص لأمه ببرود وقال
الحركات دي مبقتش تاكل معايا يا أمي.. الأوراق كلها معايا، والدار اللي حطيتي البنت فيها مسجلين كل زيارة وكل وصل استلمتيه بالبطاقة بتاعتك. محمود.. تعالى معايا جوة.
شد أخوه ودخلوا الأوضة وقفلوا الباب، وابتدى صوت كلامهم يعلى ويوطى جوة، بينما الصالة كانت بتغلي.
حماتي وقفت تمثيل التعب أول ما الباب اتقفل، وبصتلي أنا ونادية بنظرة سم صريحة، وقالت بنبرة فحيح
فاكرين إنكم كسبتوا؟! ورب العزة ما هسيب واحدة فيكم تتهنى بلقمة في البيت ده، وورقة طلاقكم هتبقى على إيدي أنا.. الأيام بيننا، وبكرة هتشوفوا مين اللي هيمشي مدحور من هنا!
خدت هدير ودخلتها أوضتي وقفلت عليها عشان ترتاح وتهدى، وأنا قلبي مش مطمن.. الباب اللي اتقفل بين الأخين كان وراه قرارات هتغير شكل العيلة دي كلها، وحماتي شكلها مكنتش ناوية تستسلم

بالساهل.
الباب اتقفل على طارق ومحمود جوة الأوضة، والسكوت رجع تاني في الصالة بس كان سكوت تقيل يخنق، سكوت قبل العاصفة ما تكسر كل حاجة.
حماتي فضلت قاعدة على كرسي السفرة، ظهرها مفرود ومفيش في وشها ذرة تعب من اللي كانت بتمثله من دقيقتين. عينيها كانت بتلف في أركان الصالة زي الصقر اللي بيدور على فريسة، بتبص للأرض المليانة أكل متداس، وتبص لنادية اللي واقفة ساندة ضهرها على الحيطة وجسمها كله بينتفض من الصدمة، وبعدين تثبت عينها عليا أنا بالذات.
كانت النظرة مليانة كراهية كفيلة تولع في البيت.. شفايفها كانت مزمومة بغيظ، وقالت وهي بتهز رجلها بتوتر مكتوم
فرحانة بنفسك يا بت ال…؟ فاكرة إنك لما تسخني طارق عليا وتجيبيه من سفره على ملا وشه هتكبري في عينه؟ ده أنا اللي شيلت وربيت، وإنتِ داخلة بشنطة هدومك تاخدي الجمل بما حمل! بكرة يرجع لعقله ويعرف إن الظفر ما بيطلعش من اللحم، وساعتها مش هخلي فيكي حتة سليمة.
نادية في اللحظة دي مسحت دموعها بكُم عبايتها، وخطت خطوة لقدام ووشها أحمر زي الډم، وصړخت في وش حماتي بصوت مكنتش اتخيل إنه يطلع منها
اخرسي بقى! بطلي كدب وسم! عمايلك السودة بانت خلاص! سنين وإنتِ مشرباني المر، واقول معلش أم جوزي وفي مقام أمي، وراضية بالفتات اللي بترمهولي وساكتة، وتطلع في الآخر أختي پتتعذب ومرمية في ملاجئ وإنتِ بتاكلي فلوسها؟! والله ما هسامحك ليوم الدين، والله لاڤضحك قدام الشارع والعيلة كلها!
حماتي قامت وقفت فجأة، ورفعت صباعها في وش نادية بټهديد
علي صوتك كمان يا شحاتة، عشان أدفنك مكانك! نسيتي لما جيتيلي حافية لا وراكي ولا قدامك؟ نسيتي إن ابني محمود هو اللي لمك من الفقر؟ بتعلي صوتك عليا في بيتي؟!
أنا مقدرتش أسكت، وقفت في النص بين نادية وحماتي، وحطيت إيدي قدامها وقلت بجمود
لأ يا حماتي، مش بيتك لوحدك. ده بيت ولادك اللي شقيوا عليه في الغربة، واللي إنتِ قاعدة فيه بتاكلي من خيرهم وتعايريهم هما وحريمهم. ونادية مش لوحدها، وأنا مش هسيبك تكسرينا تاني بعد النهاردة.. زمان وانتهى.
حماتي بصتلي بضحكة سخرية كلها غل
بقيتي ليكي صوت وبتردي يا مقطوعة؟ عقبال ما ينعدل حالك وتبقي بني آدمة كاملة، ابقي اتكلمي ووقفي قدامي!
الكلمة كانت لسه بتوجع، بس المرة دي الۏجع اتحول لقوة، ومخلتنيش أعيط.. وقفت وبصيت في عينها بثبات من غير ما أرمش، لحد ما صوت الباب بتاع الأوضة اتفتح برزعة جامدة.
خرج طارق الأول، وشه كان أسود زي الليل، وعروق رقبته نافرة، ومحمود طالع وراه، حاطط راسه في الأرض ودموعه نازلة بصمت، مش قادر يرفع عينه في وش مراته نادية ولا يبص لأخته الصغيرة اللي جوة في الأوضة.
طارق وقف في نص الصالة، وبص لأمه بصوت هادي ومخيف، الهدوء اللي بيبقى قبله البركان
اسمعي الكلمتين دول يا أمي، عشان مش هعيدهم تاني.. الفلوس اللي اتاخدت من حساب هدير، محمود هيعمل بيها كشف حساب بكرة الصبح من البنك، وهيتقصم كل قرش صرفتيه في غير موضعه من نصيبك اللي أنا ببعتهولك شهريًا.
حماتي شهقت وفتحت بقها
إنت بتخسف بيا الأرض عشان العيلة دي؟!
طارق كمل من غير ما يقطع كلامه وبنفس البرود القاسې
ومش بس كده.. الشقة اللي إنتِ قاعدة فيها دي هتتقسم، نادية وهدير هياخدوا الجناح البحري مقفول عليهم بمفتاحهم، ومحدش ليه دعوة بالتاني في أكل ولا شرب ولا دخلة ولا خرجة. وأنا ومراتي هنا هنسيب البيت ده خالص وهنأجر شقة

مقالات ذات صلة

تانية في أول الشارع، عشان مش هسمح لمراتي تسمع كلمة سم واحدة تانية، ولا تتقهر على لقمة أمها بعتاها ليها.
محمود رفع راسه، وبص لأمه وعيونه كلها لوم وۏجع
ليه عملتي كده يا أمي؟ ليه خليتيني صغير قدام مراتي وقدام نفسي؟ كنت بديكي كل قرش بيجي في إيدي واقول أمي بركة البيت، تقومي تحرمي يتيمة وتكذبي عليا وتقوليلي إنها مبسوطة؟! أنا مكسوف من نفسي قبل ما أكون مكسوف منهم.
حماتي حست إن الأرض بتتهز بجد تحتها، وإن أولادها اللي كانت مسيطرة عليهم بالسنين ابتدوا يفلتوا من إيدها واحد ورا التاني.. بس كبريائها وغلها منعوها تنكسر، راحت باصة لطارق وقالت بصوت مليان تحدي وشړ
ماشي يا طارق.. اخرج وسيب البيت، وخد معاك العقربة بتاعتك. بس اعرف إنك لو خطيت خطوة برة العتبة دي، لا إنت ابني ولا أعرفك، وڠضبي عليك ليوم الدين!
طارق متهزش، وبصلي ومد إيده
ادخلي لمي هدومك وهدومي يا ندى.. مش بايتين هنا الليلة.
دخلت الأوضة وقلبي بيدق پجنون، هدير كانت قاعدة على السرير بتترعش، قربت منها وطبطبت عليها وقلت لها
مټخافيش يا حبيبتي، حقك هيرجعلك ومحدش هيقدر يمس شعرة منك بعد النهاردة.
بدأت ألم هدومي في الشنط بسرعة، وأنا سامعة حماتي برة في الصالة بتزعق بصوت عالي، بتدعي علينا وبتقلب في الكلام وتتوعد لنادية إنها هتدفعها تمن الڤضيحة دي غالي.
خرجت بالشنطة، ووقفت جنب طارق. طارق مسك الشنطة بإيد ومسك إيدي بالتانية، وبص لأخوه محمود وقال
نادية وهدير أمانة في رقبتك يا محمود.. لو سمعت إن حد داسلهم على طرف، مش هرحم، وهعتبرك شريك في الظلم.
محمود هز راسه بقلة حيلة وألم
في عيني يا طارق.. حقكم عليا.
نزلنا على السلم، وأنا سامعة صوت رزعة الباب وصړخة حماتي وهي بتقول
والله لأحرق قلبكم كلكم، والبيت ده مش هيسكن فيه غيري، بكرة تجولي راكعين!
نزلنا الشارع، وكان الهوا بارد والليل ساتر كل حاجة. بصيت لطارق ولقيته تايه وموجوع، ۏجع الابن اللي اكتشف إن أمه اللي ربته مبتحبش غير نفسها ومستعدة تدوس على الكل عشان الفلوس والسيطرة.
مسكت إيده بقوة وقلت له
ربنا يعوضك يا طارق.. إنت عملت الصح ومظلمتش.
بصلي بحزن وقال
أنا آسف يا ندى على كل لقمة ذل وكل كلمة اتقالتلك في غيابي.. حقك عليا.
مكناش عارفين رايحين فين بالظبط في نص الليل ده، بس كنا عارفين حاجة واحدة أكيدة.. إن الباب اللي اتقفل ورانا مكنش نهاية القصة، دي كانت بداية حرب مفتوحة بين حماتي وبين كل واحد فينا، لأن واحدة زي دي، الغل اللي في قلبها مش ھيموت بسهولة، وأكيد بتجهز للضړبة الجاية.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى