قصص و روايات

أثناء الولادة

لم أكن أتخيل أن جملة بسيطة يقولها زوجي أثناء ولادتي ستظل عالقة في ذهني لسنوات. كنت في أصعب لحظات حياتي، أحاول تحمل الألم وأتمسك بآخر قدراتي، بينما الأطباء والممرضات يتحركون من حولي بسرعة. وفي لحظة لم أستطع فيها السيطرة على نفسي، ارتفع صوتي من شدة الألم.

 

مقالات ذات صلة

اقترب مني زوجي أحمد، وبدلًا من أن يقول لي كلمة تطمئنني، قال بهدوء متوتر:

“ممكن توطي صوتك شوية؟ إنتِ كده بتوتريني.”

نظرت إليه بدهشة، لكنني لم أستطع الرد.

بعد ساعات طويلة، وُلدت بناتنا الثلاث.

ثلاث طفلات صغيرات وصلن إلى الحياة في وقت واحد، وكأنهن كنّ يخبئن لنا بداية جديدة تمامًا.

قبل الحمل، كان أحمد يتحدث دائمًا عن الأبوة.

كان يقول إنه يتمنى أن يكون لدينا أطفال، وكان يخطط منذ الشهور الأولى لكل شيء تقريبًا.

وعندما عرفنا أننا سنرزق بثلاث بنات، كان في البداية سعيدًا بشكل لا يوصف.

ضحك يومها وقال:

“أنا كده أخدت التلاتة مرة واحدة!”

كنت أضحك كلما تخيلت حياتنا القادمة.

كنت أصدقه عندما يقول إنه سيعمل بكل طاقته من أجلهم.

لكن مع مرور أشهر الحمل، بدأت ألاحظ تغيرًا بسيطًا في شخصيته.

أصبح أكثر توترًا عندما نتحدث عن المصاريف.

وبدأ يقلق من تجهيزات البيت.

وكلما تحدثت عن الرضاعة أو الحفاضات أو قلة النوم، كان يقول:

“بلاش نفكر في كل المشاكل دي من دلوقتي.”

كنت أعتقد أن الأمر مجرد قلق طبيعي.

حتى جاءت الولادة.

بعد أن عدنا إلى المنزل، بدأت الحقيقة تظهر.

ثلاث طفلات في الأيام الأولى لم تكن مهمة سهلة.

واحدة تبكي، ثم تهدأ، فتبدأ الثانية.

وحين تنام الثانية، تستيقظ الثالثة.

كنت ما زلت أتعافى من الولادة، بالكاد أجد وقتًا للطعام أو النوم.

أما أحمد، فكان يبدو أكثر إرهاقًا يومًا بعد يوم.

وفي إحدى الليالي قال:

“أنا مش قادر.”

نظرت إليه وقلت:

“كلنا مش قادرين يا أحمد.”

سكت قليلًا ثم قال:

“أنا محتاج أرتاح.”

بعد يومين فقط، سمعت صوت حقيبة تُسحب في الممر.

خرجت من غرفة البنات، فوجدته واقفًا أمام الباب وبجواره حقيبة سفر كبيرة.

سألته بدهشة:

“إنت مسافر؟”

قال إنه حجز رحلة لمدة أسبوعين مع أصدقائه، وإنه يحتاج إلى الابتعاد قليلًا عن ضغط المسؤوليات.

لم أصدق ما أسمعه.

قلت:

“إنت هتسيبني وأنا لسه والدة تلات أطفال؟”

نظر إليّ وقال:

“إنتِ أقوى مني.”

كانت الجملة مؤلمة أكثر مما توقعت.

كان يعرف أنني متعبة.

ويعرف أنني بحاجة إليه.

ومع ذلك قرر الرحيل.

قال إنه سيعود بعد أسبوعين، ثم حمل حقيبته وغادر.

في الليلة الأولى بعد سفره، جلست بجوار أسرّة بناتي الثلاث.

كنت على وشك الانهيار.

لكن شيئًا آخر بدأ يحدث بداخلي.

بدلًا من التفكير في غيابه، بدأت أفكر في حياتنا.

في الحسابات.

في الفواتير.

في التأمين.

في الأوراق التي كان أحمد دائمًا يقول عنها:

“سيبيها عليّ.”

ولأول مرة قررت أن أعرف ماذا يوجد بالضبط خلف تلك الجملة.

فتحت الملفات الموجودة في المنزل.

راجعت الحسابات والمستندات واحدة تلو الأخرى.

وبعد ساعات من البحث، وجدت ملفًا أحمر قديمًا.

فتحته.

وتوقفت تمامًا.

كان اسم أحمد موجودًا على المستندات، والتاريخ يعود إلى فترة سبقت ولادة بناتنا بأسابيع.

لكن ما قرأته في الصفحة الأولى جعلني أشعر بأن سفر أحمد لم يكن القصة كاملة.

كان هناك التزام مالي كبير مرتبط باسمنا.

والأغرب أن توقيع أحمد كان موجودًا، بينما توقيعي لم يكن موجودًا على المستند.

ظللت أقلب الصفحات وأنا أحاول فهم ما يحدث.

كل ورقة كانت تفتح أمامي سؤالًا جديدًا.

وفي النهاية وجدت مستندًا آخر يتعلق بشراء شقة جديدة.

شقة أكبر من منزلنا الحالي.

فهمت أن أحمد كان يخطط لشيء لم يخبرني عنه.

لكن لماذا؟

ولماذا اختار أن يخفيه عني؟

قررت ألا أواجهه عبر الهاتف.

كنت أريد أن أسمع الحقيقة كاملة عندما يعود.

وبعد أربعة عشر يومًا، سمعت صوت المفتاح في الباب.

دخل أحمد وهو يجر حقيبته ويقول بسعادة:

“أنا رجعت!”

لكن ابتسامته اختفت فورًا عندما رأى الأوراق على الطاولة.

توقف مكانه.

نظر إليّ.

ثم نظر إلى الملف الأحمر.

وقال:

“إنتِ فتحتي ده؟”

أجبته بهدوء:

“أيوه.”

اقترب مني وقال بعصبية:

“مين قالك تفتحي حاجتي؟”

رفعت عيني إليه وقلت:

“حاجتك؟ إحنا متجوزين يا أحمد. والورق ده متعلق ببيتنا وبناتنا.”

سكت.

ولأول مرة منذ عاد، رأيت الخوف الحقيقي في عينيه.

لم يكن خوفًا من الأبوة هذه المرة.

كان خوف شخص أدرك أن سرًا أخفاه أصبح أمامه على الطاولة.

قلت:

“إنت وقعت على ده لوحدك؟”

جلس على الكرسي وقال:

“الموضوع مش زي ما إنتِ فاكرة.”

أجبته:

“عشان كده مستنياك تشرحهولي.”

وبدأ أحمد يحكي.

قبل ولادة البنات، كانت الشركة التي يعمل بها تمر بأزمة مالية.

كان يخشى أن يفقد مصدر دخله، وفي الوقت نفسه كان يفكر في مستقبل الأطفال الثلاثة.

بدلًا من أن يخبرني، قرر أن يحل كل شيء بنفسه.

فكر في مشروع جانبي، ثم بدأ يفكر في شراء منزل أكبر.

وكان مستعدًا لتحمل التزام مالي كبير حتى يوفر لنا مكانًا أفضل.

لكن الأمور خرجت عن سيطرته.

سألته:

“وعشان كده سافرت؟”

خفض رأسه وقال:

“جزء من السبب.”

ثم أضاف أنه كان يريد مقابلة شخص يمكنه مساعدته في إيجاد حل لأزمة العمل.

نظرت إليه وقلت:

“كان ممكن تقول لي.”

قال:

“كنت خايف.”

كانت تلك أول مرة يعترف فيها بخوفه.

لكنني قلت له:

“أنا كنت محتاجة أعرف الحقيقة، مش محتاجة منك تبقى بطل.”

وفي تلك اللحظة بدأت إحدى البنات في البكاء.

اتجه أحمد إليها، وحملها بين ذراعيه.

وبعد دقائق هدأت.

راقبته بصمت.

كان هناك جزء من الرجل الذي أحببته في البداية ما زال موجودًا.

لكنني كنت أعرف أن الاعتذار وحده لن يصلح كل شيء.

وقبل أن ننهي الحديث، لاحظت أن الملف الذي وجدته لم يكن كاملًا.

سألته:

“فين باقي الأوراق؟”

نظر إلى حقيبته.

ثم أخرج ظرفًا أبيض.

ووضعه أمامي.

قال:

“ده اللي كنت خايف توصلي له.”

مددت يدي نحو الظرف.

لكن قبل أن أفتحه، رن جرس الباب.

وقف أحمد فجأة.

نظرت إليه باستغراب.

رن الجرس مرة أخرى.

ذهبت إلى الباب.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى