قصص و روايات

طفلة وقفت أمام القاضي المقعَد وقالت: أطلقوا أبي… وسأجعلكم ترونه يمشي!

بعض الناس بكوا لمجرد رؤيته.
ابتسم آخرون ابتسامة واسعة كأنهم يشاركونه نصرا شخصيا. حتى بعض الحراس ذوو الملامح الصارمة مسحوا أعينهم بخفية.
صعد والتر إلى منصته بخطوات بطيئة لكنه لم يحتج إلى مساعدة.
ما إن جلس على كرسي القاضي العادي لا كرسي العجز حتى التقت عيناه بعيني سيسيليا.
أومأ لها برأسه إيماءة خفيفة لكنها مشحونة بشكر لا ينتهي.
تنحنح كاتب المحكمة وهو يحاول السيطرة على انفعاله
نتابع جلسة القضية رقم 47 892 برئاسة القاضي والتر مينديس وحضور المتهم رودريغو سانتوس. لتبدأ المرافعات الختامية.
عدل والتر نظارته ونظر حوله قبل أن يتكلم.
وحين تكلم كان صوته ثابتا لكن فيه دفء لم يكن موجودا من قبل
قبل أن أنطق بالحكم في هذه القضية يجب أن أعترف علنا بما كان ينبغي أن أعترف به منذ سنوات طويلة.
خلال مسيرتي حكمت في مئات القضايا بقسۏة ظننتها عدلا. طبقت القانون دون أن أرى الإنسان كاملا أمامي. وبذلك سببت معاناة لا داعي لها لعائلات كثيرة.
توقف وترك كلماته تستقر في الوجوه
في الأسابيع الماضية راجعت بنفسي 23 قضية قديمة أعتقد أنني كنت فيها مبالغا في القسۏة. قضايا كان يمكن أن تستخدم فيها عقوبات بديلة بدلا من السچن. أعمل الآن مع النيابة والدفاع العام لإعادة تقييم هذه الأحكام.
بدأ التصفيق لكن والتر رفع يده بلطف طالبا الصمت
هذا ليس فضلا مني بل واجب. محاولة إصلاح ما أفسدت. وهذا ما جاء بي اليوم لأحكم في قضية رودريغو سانتوس بعينين جديدتين.
كان رودريغو يتنفس بسرعة ويداه متشابكتان بقوة حتى ابيضت مفاصله.
فتح والتر الملف أمامه وبدأ يقرأ لكن هذه المرة لا بجفاء بل بوقار يتناسب مع ثقل ما يقول
رودريغو سانتوس لقد اختلست ثلاثمئة ألف ريال من أموال عامة مخصصة لبرامج اجتماعية. هذه چريمة تسببت پألم حقيقي لأناس ضعفاء كانوا بحاجة إلى تلك الموارد. لا يمكننا ولا يجب أن نقلل من ذلك.
قبضت سيسيليا على يد جدتها.
مع ذلك تابع والتر وبعد دراسة مستفيضة لكل ظروف قضيتك وبعد استشارة أطباء نفسانيين واختصاصيين اجتماعيين وخبراء في إعادة الدمج الاجتماعي توصلت إلى نتيجة مختلفة عما كنت سأتوصل إليه سابقا.
رفع عينيه ونظر مباشرة إلى رودريغو
أنت لست مچرما معتادا ولست خطړا على المجتمع. أنت رجل وجد نفسه في مأساة لا تطاق فاتخذ قرارا يائسا وخاطئا قرارا يظهر أنك نادم عليه بصدق وأنك ترغب فعلا في إصلاح ما يمكن إصلاحه.
انهمرت دموع رودريغو.
لذلك قال والتر بنبرة أقوى
حكم المحكمة هو الآتي
حكم عليك بخمس سنوات من الخدمة المجتمعية الإلزامية في المستشفيات العامة تعمل مباشرة مع مرضى السړطان وعائلاتهم.
يحول راتبك بالكامل إلى خزينة الدولة لسداد الأموال المختلسة مع ضمان حد أدنى يحفظ لك ولابنتك حياة كريمة.
اڼفجر رودريغو في
نحيب جديد يغطي وجهه بيديه.
إضافة إلى ذلك واصل والتر ستخضع لمتابعة نفسية شهرية وستشارك في برامج تثقيفية عن الأخلاقيات في الوظيفة العامة.
سيكون النظام شبه مفتوح مع مراقبة إلكترونية بحيث يمكنك البقاء مع عائلتك.
اشتعلت القاعة بالتصفيق.
قفزت سيسيليا من مكانها وركضت نحو والدها.
كان رودريغو قد نهض بالفعل. لم يمنع الحراس الطفلة من الوصول إليه تركوها ترتمي في ذراعيه.
أبي سيبقى! أبي سيبقى! كانت تصرخ وهي تبكي.
سأبقى يا ابنتي سأبقى رد وهو يعانقها بقوة. لن أتركك أبدا بعد الآن.
وانضمت الجدة إليهما فوقف الثلاثة متقاربين في دائرة واحدة تجمعهم موجة واحدة من الحب والامتنان.
كان والتر يراقب المشهد وابتسامة صادقة ترتسم لأول مرة منذ سنوات على وجهه.
بعد أن هدأ التصفيق قليلا قال
هناك أمر أخير يا رودريغو.
خلال الأسابيع القادمة ستبدأ عملك في مستشفى بلدية ساو فيسنتي. ومن المصادفات أنه

 

مقالات ذات صلة
12 من 12التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى