قصص و روايات

جوزي طيار

لأن الميدالية دي أنا اللي اشتريتها لشريف في أول سنة جواز، واختفت من بيتنا من شهور، ومحدش عرف راحت فين.
قبل ما أستوعب اللي بشوفه، الراجل قفل إيده عليها من جديد… وكأنه مستني اللحظة المناسبة يقول الحقيقة فضلت بصاله وأنا مش مستوعبة.
الميدالية دي مستحيل تكون مع حد غير شريف.
لما الطيارة بدأت تهدى

بعد الإقلاع، الراجل مال ناحيتي وقال بصوت واطي جدًا
متقلقيش… كل حاجة ماشية زي ما الكابتن خطط.
قبل ما أسأله أي حاجة، قام من مكانه واتجه بهدوء ناحية دورة المياه.
فضلت مكاني، وعقلي مليان أسئلة.
إزاي يعرف شريف؟
وإيه حكاية الميدالية؟
وليه كل الناس شكلها عارفة حاجة وأنا الوحيدة اللي مش فاهمة؟
بعد دقائق، خرج الراجل، لكن بدل ما يرجع لمقعده، وقفت مضيفة الطيران قدامه وقالت بابتسامة
حضرتك، الكابتن بيشكرك.
ناولها الميدالية، وهي حطتها في علبة خشب صغيرة مبطنة بقماش أحمر، وقفلتها بعناية.
رجعت المضيفة عندي، وحطت العلبة على الطرابيزة الصغيرة قدامي.
وقالت
دي أمانة… والمفروض تفضلي مقفلاها لحد ما الطيارة تلمس الأرض.
بصيت للعلبة، وكان عليها تاريخ واحد محفور بخط أنيق
12 7
ابتسمت من غير ما أحس.
ده تاريخ عيد جوازنا.
لكن تحت التاريخ كان فيه نقش صغير عمرى ما شفته قبل كده
الوعد لسه مستمر.
عدت الدقائق ببطء، وكل شوية كنت أبص من الشباك، وبعدين للعلبة، وبعدين لباب الكابينة.
وفجأة، اتفتح باب الكابينة للحظات.
خرج المساعد، واتجه ناحية آخر الطيارة، لكن قبل ما الباب يقفل، لمحت شريف واقف جوه.
ثانية واحدة بس…
رفع عينه، ولمحني.
ابتسم ابتسامة صغيرة، وحط إيده على قلبه، كأنه بيقول
استني… قربنا.
رديت عليه بنفس الحركة من غير ما أفكر.
وفي اللحظة دي، دوّى صوت جرس خفيف في الطيارة، وأعلن شريف
هنبدأ إجراءات الهبوط خلال دقائق. وبرجاء من الراكبة الموجودة في المقعد 14C، تحتفظ بالعلبة معاها بعد النزول، لأن في شخص مستني يسلمها آخر قطعة من المفاجأة.
الركاب كلهم بصوا ناحيتي بابتسامات، وكأنهم بقوا جزء من الحكاية.
أما أنا… فكنت حاسة إن المفاجأة لسه في بدايتها، وإن آخر قطعة قال عليها شريف هتكشف سرًا احتفظ بيه سنين طويلة… لكن لسه ما جهش وقت معرفته بدأت الطيارة تنخفض بهدوء، وأضواء المدينة ظهرت من تحتنا كأنها نجوم مرسومة على الأرض.
صوت شريف رجع في السماعات بنبرته الهادية المعتادة
أشكركم على اختياركم رحلتنا، ونتمنى تكونوا استمتعتم بيها. وبرجاء البقاء في أماكنكم حتى التوقف الكامل.
الكلمات كانت عادية بالنسبة لكل الركاب…
إلا بالنسبة لي.
لأن آخر جملة قالها كانت مختلفة.
وفيه راكبة واحدة… أتمنى تفتكر إن بعض الوعود ممكن تستنى سنين، لكن عمرها ما بتتنسى.
ابتسمت من غير ما أحس، وأنا ضاغطة على العلبة الخشب بين إيديا.
بعد ما الطيارة وقفت، الناس بدأت تنزل بالترتيب.
الغريب إن المضيفة وقفت قدام صفي وقالت بابتسامة
لو سمحتم… هنستأذن حضراتكم دقيقة.
الركاب بصوا باستغراب، لكن محدش اعترض.
بعدها قربت مني وهمست
حضرتك آخر واحدة هتنزل.
استنيت لحد ما الكابينة فضيت تمامًا.
أول ما آخر راكب خرج، باب الكابينة اتفتح.
خرج شريف ببدلته، لكنه أول ما شافني نسي كل الرسمية، وجري ناحيتي وهو بيضحك.
وقف قدامي وقال
يعني كنتِ فاكرة إنك هتفاجئيني؟
ضحكت وأنا دموعي نزلت.
إنت كنت عارف؟
طلع من جيبه تذكرة مطبوعة.
من أول ما حجزتي… وصلني كشف الركاب قبل الرحلة بيوم. أول ما شفت اسمك، عرفت إنك بتحضري لمقلب.
ضربته بخفة على كتفه.
وسبتني أعيش كل التوتر ده؟
ابتسم وقال
لأن دي كانت أول خطوة.
أشار ناحية العلبة اللي معايا.
افتحيها دلوقتي.
فتحت

مقالات ذات صلة

الغطا ببطء…
لقيت جواها الميدالية، وتحتها مفتاح نحاسي صغير مربوط بشريط أحمر.
كان معاه كارت مكتوب فيه
ده مفتاح المكان اللي بدأنا منه… لكن المرة دي هنرجعله بعد 12 سنة.
رفعت عيني باستغراب.
تقصد إيه؟
ابتسم من غير ما يجاوب.
وفي نفس اللحظة، رن تليفونه.
بص للشاشة، وابتسامته اختفت فجأة.
رد بسرعة، وسمع الطرف التاني ثواني من غير ما ينطق.
ثم قال بصوت منخفض
إزاي؟… إمتى حصل ده؟
وشه اتغير تمامًا.
قفل المكالمة، وبصلي وهو بياخد نفسًا عميقًا.
وقال
واضح إن خطتنا هتتأجل… لأن في حاجة حصلت لازم نروح لها حالًا.
ولأول مرة من بداية الليلة… شفت في عينيه

قلقًا حقيقيًا، من غير ما أعرف إيه الخبر اللي قلب كل حاجة اتجمدت مكاني، وأنا ببص في وشه.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى