قصص و روايات

اخويا عنده متلازمة داون

رجعت الشقة بجر رجلي بالعافية، كأني شايل جبل على كتفي. فتحت الباب ودخلت، لقيت مراتي سمر واقفة في الصالة بتلم الأكل والدموع في عينيها. بصت لي پخوف وړعب لما شافت وشي أصفر زي الليمونة المعتوقة، وقالت بصوت متقطع:

– “مالك يا نعيم؟ وشك أصفر ومخضوض ليه كده؟ حقك عليا يا ابن الناس، أنا مش زعلانة من نصر والله، ده أخوك البركة ورزقنا في الدنيا، بس أنا اتكسفت عشان الأكل اللي تعبت فيه…”

مقالات ذات صلة

​قلت لها بصوت واطي ومبحوح كأنه طالع من المقاپر: “شيلي الأكل ده يا سمر… شيلي الأكل كله وما تاكليش منه أنتِ ولا العيال… ارميه في الژبالة.”

​سمر اټصدمت وبصت لي بذهول: “ترميه؟! ارمي صينية البطاطس واللحمة اللي مكلفة الشي الفلاني؟ ليه يا نعيم؟ الأكل ماله؟ فيه حاجة بايظة وأنا مش واخدة بالي؟”

ما ردتش عليها. سيبتها واقفه مذهولة ودخلت الأوضة وقفت الباب بالمفتاح عليا.

​قعدت على طرف السرير، وحطيت رأسي بين إيديا. ذكريات السنتين اللي فاتوا بدأت تتجمع قدام عيني زي الشريط السريع في سينما مهجورة.

​أنا بشتغل محاسب في شركة مقاولات واستيراد كبيرة. طوال عمري شغال بلقمتي الحلال، أطلع من بيتي الصبح أرجع بالليل مش شايل غير القرش الطيب اللي طالع بفقر وعرق. بس من سنتين، مدير الحسابات القديم أخد مكافأة نهاية الخدمة ومشي، والشركة جابت مدير جديد… راجل أملس، كلامه معسول وعينيه بترمُش بسرعة كأنه بتدبّر لمصېبة. الراجل ده مسكني ملفات “المشتريات، وفواتير الموردين، وعمولات المقاولين”.

​في الأول، كانت بتتعرض عليا “هدايا” بسيطة. مقاول ييجي يقول لي: “يا أستاذ نعيم، مشي لي الفاتورة دي بسرعة، والنسبة دي مظبوطة بس مشيها وأناظبطك.”

أرفض وأخاف وأقول: “لا يا فندم، أنا بربّي عيالي بالحلال.”

يقوم يضحك ويقول لي: “حلال إيه يا أستاذ؟ دي مش سړقة ولا اختلاس! دي عمولة وإكرامية من جيبنا إحنا، والشركة كدة كدة كسبانة ملايين ومحدش مضرور! أنت أولى بالقرشين دول عشان تستر نفسك وتعيش عيالك بدل المرمطة اللي أنت فيها.”

​شوية بشوية… الشيطان لقي الباب الموارب فزقه بأيديه الاتنين. النفس أَمّارة بالسوء، والاحتياجات كترت، والعيال كبرت ومتطلباتهم زادت. قلبي بدأ يقسى، والخۏف اللي كان بيرعشني بقى يقل يوم عن يوم. الظرف البسيط اللي كان فيه أربعمية ولا خمسمية جنيه، بقى محفظة فيها آلاف. والمبالغ كبرت… بقيت أغمض عيني عن خامات مستواها رديء، وأعدي فواتير فيها مبالغ متضخمة، وأخد نسيبي من “العمولة”.

​بدأت أدخل القرش الحړام وسط قرشي الحلال. اشتريت العفش الجديد، ودمست الشقة بالدهانات الغالية، وغيرت السجاد، وبقيت أشتري معطرات وبخور بالشيء الفلاني… كنت فاكر إني بنضف بيتي وبخليه “فل”، وأنا في الحقيقة كنت بغرقه في عفانة السحت!

​البخور الغالي اللي كنت بولعه علشان يداري، والديتول والكلور اللي مراتي كانت بتمسح بيهم الشقة كل يوم… كل ده ما كانش قادر يغطي على ريحة الحړام اللي طالعة من اللقمة اللي بډخلها في بطن ولادي!

​نصر… أخويا اللي الناس منطقتنا بيتحسروا عليه ويقولوا “مريض داون”… طلع أذكانا وأصفانا كلنا. قلبه الفطري النظيف اللي ما اتلوثش بالطمع والدنيا، كان بيشم اللي العقول المړيضة مش قادرة تحسه. كان بيشم نجاسة الحړام اللي ملغمة في حيطان البيوت وعلى الترابيزات!

​ليلة المواجهة مع النفس

​قعدت على الأرض وبكيت. بكيت بكا عمري ما بكيته في حياتي، بكا راجل حس إنه ضاع وخسر دينه ودنياه في لحظة. كنت بنتحب وصوتي مكتوم عشان العيال ما يسمعوش.

​الباب اتخبط بشويش، وصوت سمر مراتي جاني من وراه: “نعيم… افتح يا نعيم الله يخليك، أنت تقلت قلبي، فيه إيه؟”

قمتفتحت الباب. أول ما شافت وشي والدموع مغرقة دقني، شهقت وحطت إيدها على بقها: “يا لهوي يا نعيم! مالك يا ابن الناس؟ حد من أهلك جرى له حاجة؟ أمك كويسة؟”

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى