قصص و روايات

من 15 سنة

بعد 15 سنة، كبرت وأتعرفت على شاب محترم عن طريق الشغل، ودخل بيتنا وخطبني وهنتجوز. في اللحظة دي حسيت إن فيه حاجة ناقصة.. أمي لازم تكون معايا، لازم تطلع تحضر فرحي. قررت إن لازم أروح أزورها لوحدي، من غير أبويا ومن غير أختي، وأحاول أصلح اللي باظ من سنين.

رحت لأبويا وطلبت منه أزورها لوحدي. وافق بصعوبة شديدة وبعد تحايل كبير، وكان خايف عليا، بس في النهاية رحت. دخلت عليها المستشفى… المكان كان كئيب، والريحة تقيلة، بس أول ما شوفتها قلبي اتعصر. كانت كبرت وشاب شعرها، بس لسة فيها حاجة من أمي بتاعة زمان.

اول ما شافتني وقفت والدموع ملت عيونها عرفتني فوراً رغم اني كبرت واتغيرت.. قالت وصوتها بيترعش: “نسمه؟” ابتسمت بدموع وجريت حضنتها قولتلها: “ايوه انا نسمه يا حببتي وحشتيني…وحشتيني يا ماما.” أمي بقت تحضني بلهفة وسألت عني وعن مايا، لحد ما مسكت إيدها وبدأت أعرض عليها العرض اللي جيت علشانه.

قلت لها بصوت هادي وبترجي: “يا ماما.. عشان خاطري، اكدبي على الدكاترة. قوليلهم إنك بقيتي كويسة، ولو سألوكي عن اليوم ده، قوليلهم خلاص.. أنا كنت فاهمة غلط، كان كابوس وسوء فهم وخلاص عدى. اعملي كده عشان تخرجي وتكوني معايا في فرحي!”

أمي بصت بححدة وقالت: “بس أنا مش فاهمة غلط يا نسمة! أنا شوفته!” أنا خفت تروح في نوبة الصريخ العادية والدكاترة يجوا، فرديت عليها بسرعة وبلهفة عشان أهديها: “عارفة يا ماما.. عارفة، بس احنا هنضحك عليهم بس! هنقول كده للدكاترة عشان يوافقوا يخرجوكي وترجعي لنا البيت!”

هنا… حصل أغرب حاجة في حياتي. أمي صمتت فجأة.. ما صرختش، ولا انهارت، ولا جتلها حالة الجنون اللي متعودين عليها كل سنة. بصت لي بنظرة غموض وابتسمت ابتسامة هادية جداً. قربت مني، ومسكت إيدي اليمين بالراحة، وفتحت كفي.. وكان جنبها ورقة وقلم، مسكت القلم ورسمت على بطن إيدي علامة صغيرة وغريبة جداً.

أول ما عيني وقعت على العلامة دي، واستوعبت أمي بتعمل ايه وبترسملي ايه… أنا اللي حسيت بانهيار وصرخت بقوة ودموعي نزلت زي المطر، ما قدرتش أوقفها. العلامة اللي أمي رسمتها على بطن إيدي ما كانتش مجرد شخبطة، كانت رسمة تفصيلية لـ “شامة” صغنونة شكلها زي الهلال، موجودة في مكان لا يمكن حد في الدنيا يعرف مكانه ولا شكله الدقيق غيري أنا وأمي وأختي مايا..

لأن دي العلامة المميزة اللي مايا اتولدت بيها، ومحدش بيشوف جسمها ولا بيلبسها غير أمي زمان وهي صغيرة، وبعدها أنا لما كبرت وبقيت مسؤولة عنها. الرسمة كانت دقيقة لدرجة مرعبة، وتحتها أمي كتبت كلمة واحدة بخط يدها الرقيق اللي كنت حافظاه من زمان: “الخبايا”.

“الخبايا” ده كان الاسم السري اللي مايا وماما بيسموا بيه الشامة دي وهم بيلعبوا معاها وهي طفلة، كلمة محدش في الكون يعرفها.. أبويا نفسه ما كانش يعرف الكلمة دي، ولا عمره شاف المكان ده، لأن أمي كانت دايماً بتقول إن البنت ليها خصوصية حتى وهي طفلة.

أمي بصت في عيني بثبات رهيب، وقالتلي بصوت واطي جداً، نبرة أبرد من الثلج، خالية تماماً من أي جنون: “ليلتها يا نسمة.. أنا شوفته بيدبر لمصيبة في الخفاء، ولما واجهته، حاول يخبي ويغير الموضوع بطريقة غريبة تثير الشك.” دموعي نزلت زي المطر..

المكان حولي بدأ يدور، والصدمة طحنت 15 سنة من حياتي في ثانية واحدة. أمي ما كانتش مجنونة.. أمي كانت تحذيراتها ليها أسباب تانية خالص! مسكت إيد أمي بكل قوتي، بقيت أرتعش ومش قادرة أتنفس. أمي سحبت إيدها بالراحة، وطبطبت على كتفي، وابتسمت ابتسامة حزينة وقالت: “اتأخرتي قوي يا نسمة.. 15 سنة وأنتِ فاكرة إن أمك تاه عقلها؟ 15 سنة وأنتِ سايبة البيت من غير ما تكتشفي النوايا الحقيقية وراء طردي، ويا عالم يا بنتي خلال السنين دي كلها.. أبوكي كان ناوي على ايه تاني؟”

الجملة دي وقعت عليا زي السكين. أختي! مايا! مايا اللي كنت بنام جنبها، اللي كبرت تحت عيني، اللي أبويا كان رافض يتجوز عشان يتفرغ لتربيتنا، اللي كان بيصحى في نص الليل يعملها أكل! هل يعقل؟ هل كل الدفا ده كان قناع يخفي وراه طمع أو أسرار تانية خطيرة؟

الدكاترة والممرضين جُم يجروا على صوت صريخي، فتكروا إن أمي هاجمتني. الدكتور جه يزقها بعيد، فصرخت في الدكتور بأعلى صوتي: “سيبها! أوعى تلمسها! هي مفيهاش حاجة!” أمي فضلت واقفة مكانها، نظرتها كانت نظرة شفقة عليا.. وكأنها بتقولي: “أهلاً بيكي في العذاب اللي أنا عايشة فيه من 15 سنة.”

خرجت من المستشفى بجسد مشلول وعقل طاير. الشمس كانت طالعة بس أنا كنت شايفة الدنيا ضلمة. مسكت تليفوني، كنت عايزة أتصل بخطيبي زياد.. بس افتكرت، هقوله ايه؟ هقوله إن الراجل المحترم اللي تقدم لي ورا واجهته أسرار غريبة؟ قفلت التليفون وجريت على البيت. طول الطريق والأسئلة بتاكل في دماغي.

ليه مايا مكنتش مرتاحة؟ ليه لما دخلت الأوضة ليلتها لقيتها نايمة بطريقة غريبة؟ وصلت البيت. فتحت الباب بالمفتاح بهدوء شديد. البيت كان هادي.. هدوء يقتل. سمعت صوت أبويا طالع من الصالة، كان بيتكلم في التليفون بصوت واطي ومبتسم بيكلم خطيبي زياد: “يا حبيبي يا زياد.. البيت بيتك، ونسمة دي عينيا الاتنين، ومايا أختها الصغيرة في رقبتك برضه…”

الكلمات اللي كانت زمان بتخليني أحس بالأمان، دلوقتي كانت بتخليني مشفق عليها. دخلت الصالة، أول ما أبويا شافني قفل التليفون وابتسم ابتسامة الأب الحنون المعتادة: “نسمة؟ حبيبتي رجعتي؟ مال وشك أصفر كده ليه؟ مش قولتلك بلاش الزيارة دي؟”

قاطعته وأنا بمد إيدي اليمين اللي مرسوم عليها بالقلم: “أمي رسمتلي دي.” أبويا بص على إيدي.. اللحظة دي.. الـ 3 ثواني دول، عمري ما هنساهم. ملامح أبويا اتغيرت تماماً. الابتسامة اختفت، وعينيه وسعت بشكل مرعب، وشه اتقلب أصفر. تحول في ثواني للشخص المذعور، بس بسرعة ركب القناع تاني وقال بنبرة استغراب متصنعة: “ايه ده؟ شخبطة؟ ما أنا قايلك يا نسمة أمك عقلها طار من زمان.”

رديت عليه وصوتي مخنوق بالدموع: “دي مش شخبطة يا بابا.. دي علامة السر اللي بين أمي وبيننا.. أمي قالتلي إنها كشفت أسراره ليلتها!” ساد الصمت في الصالة. أبويا قرب مني خطوة، وعينيه اتملت بنظرة تهديد صريح، نبرة صوته بقت واطية وحادة: “أنتِ بتقولي ايه يا نسمة؟ أنتِ بتصدقي كلام واحدة مجنونة؟”

في اللحظة دي، باب أوضة النوم اتفتح، وخرجت مايا.. مايا البنت الهادية الانطوائية. بصت لينا بصدمة وقالت بصوت خايف: “فيه ايه يا نسمة؟ فيه ايه يا بابا؟” أنا بصيت لـ مايا.. وبدأ الشريط يتعرض قدام عيني. افتكرت ليه مايا كانت دايماً مترددة وخايفة من سيطرة أبويا المطلقة على حياتنا!

قربت من مايا، مسكت إيديها، وبصيت في عينيها وسألتها بصوت مكسور: “مايا.. قوليلي الحقيقة.. بابا مخبي علينا ايه تاني؟” مايا اترعبت.. وبصت لأبويا بسرعة. أبويا صرخ فيها بصوت هز البيت كله: “ماااايا! قولي لأختك إنها تجننت زي أمها!” مايا بدأت تبكي وتشهق، أبويا قرب منها مسكها من دراعها وقال بتحذير: “اتكلمي يا مايا! قولي لها!”

مايا انصاعت وسحبت إيدها مني بسرعة، واستخبت ورا ظهر أبويا وهي بتبكي وتقول: “لا يا نسمة.. بابا ميعملش حاجة.. أنتِ اتجننتي؟” نظراتها وهي مستخبية ورا ظهره كانت بتقول إنها تحت ضغط رهيب وخوف شديد من تحكماته. أبويا بصلي بنظرة انتصار وقال: “سمعتي؟ أختك بتقولك ايه.. اتفضلي على أوضتك يا نسمة، وانسى الكلام ده خالص، وإلا مش هتشوفي الشارع تاني، ولا فيه فرح ولا زياد!”

دخلت أوضتي وقفلت الباب، قعدت على الأرض ورا الباب أعيط بصمت. كل حاجة وضحت.. أمي ما كانتش مجنونة، وأختي مايا واقعة تحت سيطرة وتهديد يمنعها من الكلام! ساعة الفجر، لما تأكدت إن أبويا نام، تسحبت بهدوء ودخلت أوضة مايا. قعدت جنبها على السرير، وحضنتها بكل قوتي وأنا بقولها: “أنا آسفة يا مايا.. أنا عارفة إن في سر كبير.. قوليلي هو بيهددك بإيه؟”

مايا انهارت وبدأت تبكي وقالتلي بصوت مخنوق: “بيقولي لو اتكلمت.. هيمنع عنا كل حاجه.. وهيبعتك بعيد عني.. كان بيقولي لو حكيتي لنسمة كلمة واحدة هخسر العيلة كلها!” كملت وهي بترتعش: “من يوم ما أمي مشيت.. وهو بيسيطر على كل تفصيلة في حياتنا بتهديد مستمر!”

الدم غلى في عروقي. مسكت وش مايا وقولتلها بثبات: “خلاص يا مايا.. الكابوس ده هينتهي النهاردة.. أمي هتطلع، والحقيقة هتبان.” لكن المشكلة كانت.. إزاي هثبت ألاعيبه اللي خفاها سنين من غير دليل قاطع يحمينا؟

مايا قالتلي على سر.. إن أبويا محتفظ بـ “ألبوم وثائق وخطابات قديمة” ورا المكتبة في أوضته، قفل عليه بقفل صلب. أول ما الشمس طلعت، وأبويا نزل يصلي الجمعة.. جريت على أوضته، وورا المكتبة لقيت العلبة الخشبية. جبت شاكوش وكسرت القفل. فتحت العلبة.. ولقيت الأوراق اللي بتكشف تخطيطه للسيطرة على أمنا وإبعادها عننا زمان عشان يخلو له الجو بالتحكم في البيت.

القائمة ولقيت كمان شريط كاسيت صغير، مكتوب عليه بخط يده: “خطة إبعاد مديحة”. شغلت الشريط، وسمعت صوته وهو بيوثق ألاعيبه عشان يثبت للكل إنها فقدت صوابها! مسكت الأوراق والشريط وضمتهم لصدري، الدليل بقى معايا. وفجأة.. سمعت صوت مفتاح الباب بيلف. أبويا رجع بدري!

خرجت للصالة، لقيته واقف قدامي، بص على الشاكوش وشنطتي.. وعينيه اتحولت لشعلة غضب. قفل باب الشقة وحط المفتاح في جيبه، وابتسم بتوعد وقال بصوت مرعب وهو بيقرب مني: “فتحتِ العلبة يا نسمة؟.. للأسف يا بنتي.. أنتِ كده حكمتي على نفسك وعلى أختك.. إنكم تروحوا لأمكم المستشفى.. بس المرة دي، مش زيارات!”

هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى