
السواق فتح باب الكابينة ونزل وهو بيزعق: “انتِ مجنونة يا ست انتِ؟! بغيتي تموتي تحت العجل؟!”
طلعت أتحايل عليه ودموعي مغرقة وشي وغرقانة في التراب، ومسكت في باب العربية: “بالله عليك يا أخويا الحقني! بيموتوني! رايحين يخطفوني ويرموني في مصحة! الحقني وحياة عيالك!”
السواق بص ورايا، شاف محمود والممرضين جايين بيجروا.. السواق كان ابن بلد وجدع، فهم إن الموضوع فيه إجبار وغدر، صرخ فيا: “اركب بسرعة!”
نطيت جنبه في الكابينة، والسواق داس بنزين وأخد الملف بأقصى سرعة! محمود كان بيجري ورا العربية وبيخبط على الصاج وهو بيصرخ هستيريًا: “هدىىىى! مش هتهربي مني!”.. بس العربية سبقت، وسابته وراها وسط التراب وهو بيتضاءل لحد ما اختفى خالص.
انهارت على الكرسي جنبه، عياطي كان مكتوم وصدري بيطلع وينزل بألم رهيب. السواق بصلي بعطف وقال: “ارتاحي يا أختي.. أنتِ في أمان الله دلوقتي.. عاوزة أوديكي فين؟ أوديكي القسم ولا أهلك؟”
مسحت دموعي.. ومسحت التراب من على وشي، وفي اللحظة دي حسيت إن الضعف اللي كان جوايا مات واندفن في المصحة دي.
“وديني قسم الشرطة يا أخويا.. وديني أعمل بلاغ، وبعدها وديني عند جدي.”
وصلت القسم، وهناك دخلت للضابط وحكيت كل حاجة، ووريته آثار المسك اللي في إيديا، والبلاغ اتعمل رسمياً بالشروع في الخطف والاحتجاز والتزوير. قوة من الشرطة طلعت فوراً مع البلاغ للمكان المشبوه، وجابوا محمود والدكتور والممرضين في نفس الليلة!
بعد ما خلصت الإجراءات في القسم، الشمس كانت بدأت تشرق.. طلعت وأنا حاسة إني اتولدت من جديد. أول مكان رحتله.. كان بيت جدي.
فتحت الباب ودخلت.. البيت كان هادي، وبابا وماما قاعدين في الصالة وشوشهم صفرا. محمود كان مكلمهم وقايلهم إن هدى هربت ودماغها طارت! بس أول ما شافوني بهدومي المتبهدلة، وقفوا بذهول.
مبصيتلهمش.. ولا ردت على أسئلتهم الصارخة. مشيت بخطوات ثابتة ناحية أوضة جدي.
فتحت الباب.. لقيت جدي قاعد على سريره، ضهره منحني، وضوء الشمس نازل على وشه.. كان باصص للشباك وساكت.
قربت منه ببطء.. وركعت على ركبي قدام الكرسي بتاعه، وحطيت رأسي في حضنه وبكيت.. بكيت بدموع حرقت قلبي، دموع ندم وحسرة وإحساس بالذنب إني شكيت فيه ولو للحظة.
جدي رفع إيده المرتعشة، إيده اللي مليانة تجاعيد، وحطها على شعري ببطء.. وطبطب عليا بحنان الدنيا كله. رفعت رأسي وبصيت في عينيه.. العينين اللي قالوا عنها خرفت. لقيت ابتسامته الصافية اترسمت على وشه.. ونظرة عينيه المرة دي كانت حادة، صاحية، ومفيش فيها أي أثر للزهايمر!
همسلي بصوت هادي وواثق: “هربتي منه.. صح يا بنتي؟”
الدموع نزلت من عينيا أكتر، وهزيت رأسي وأنا ببوس إيده وشه: “صح يا جدي.. هربت.. ونفذت كلامك.. أنت الوحيد اللي كنت حاسس بيا وبتشوف الحقيقة.”
جدي ابتسم ابتسامة رضا أخيرة، وغمض عينيه ومال بظهره لورا، كأنه كان مستني اللحظة دي بس عشان يرتاح.. كأنه كان معافر مع المرض والسن عشان يسّلمني الأمان.
من اليوم ده.. اتغيرت حياتي تماماً. محمود أخد جزاءه هو والدكتور والممرضين، والقضاء جابلي حقي وحق عيالي منه، والمصحة المشبوهة اتقفلت والأوراق المزورة اتفضحت قدام الدنيا كلها.
أهلي عاشوا بقية عمرهم في ندم وألم عشان ما صدقوش أبوه، وبقوا يبصوا لذكراه بإجلال واحترام. أما أنا.. فعرفت إن الحكمة والحب الحقيقي مش بالصحة ولا بالعقل اللي القوانين بتقيسه.. الحب الحقيقي هو روح بتحسك حتى وهي بتفارق الدنيا.
رحمة الله عليك يا جدي.. كنت أكتر واحد فاهم وسطنا، ويا بخت اللي يسمع كلام اللي بيحبه من قلب صريح، حتى لو العالم كله قال عليه خرف!
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




