
قفل السكة وبصلي وقال بخيبة أمل: “مسعد فص ملح وداب.. الجيران قالوا إنه جه جري من ساعة، لم كل الفلوس والدهب اللي في الشقة، وهرب.. تليفونه اتمسك في المدرسة وعرف إنك اتمسكتِ!”.
في اللحظة دي، انهرت تماماً ووقعت على الأرض وأنا بصرخ، وأدم بيعيط ويحضن فيا.. أنا بقيت في الشارع.. برقم قضية، وابن ملوش وجود، وشرف متهان، ومستقبل ضاع بين إيدين مجرم هارب وسابني أشيل الليلة لوحدي.
لميت ابني في حضني وخرجت من القسم وأنا مش شايفة قدامي، الخطوة بتطول سنة، والناس اللي بتبصلي برأفة واللي بيجري ورايا بنظرات شك. ركبت تاكسي وروحت على شقة أبويا الله يرحمه.. الشقة اللي اتقفل بابها من يوم ما خرجت منها عروسة، أو كنت فاكرة نفسي عروسة!
فتحت الباب وإيدي بترتعش، دخلت ورميت نفسي على الكرسي في الصالون.. نفس الصالون اللي قعد فيه “مسعد” مع بابا، نفس المكان اللي المأذون المزيف كان قاعد فيه وبيكتب شهادة وفاتي بإيده وهو بيضحك!
أدم نام من كتر العياط والتعب على الكنبة، وأنا فضلت صاحية.. عيني في السقف، وكل دقيقة بتعدي بتشرح في قلبي. أنا منى.. البنت اللي كانت بتخاف من خيالها، بقيت فجأة في مواجهة مع الدنيا كلها، من غير ظهر، ومن غير ورق، وبسمعة ملوثة في دفاتر الحكومة!
يومين مروا وأنا حابسة نفسي، مباكلش ولا بشرب، لحد ما الباب خبط. قومت وأنا مرعوبة، فتحت ولقيت محامي محترم، كان صديق لبابا الله يرحمه وعارفنا من صغرنا. أول ما شافني، وشه اتقلب بالأسى وقال: “أنا عرفت باللي حصل يا منى من واحد صاحبي في القسم.. يا بنتي إزاي تسكتي على نفسك كدة؟”
عيطي انهار تاني وقولتله: “أنا مكنتش أعرف يا عم أحمد.. والله العظيم كنت فاكراه راجل بجد! أنا ضعت.. وأدم ضاع، ملوش شهادة ميلاد، ومليش قسيمة جواز، أنا في نظر القانون إيه؟!”
عم أحمد قعد وحط إيده على دماغه بتفكير، وقال بنبرة جدية: “اسمعيني يا منى.. العياط مش هيحل حاجة، والوحش ده هرب ومش هيرجع، وإحنا لازم ننقذ الولد وننقذك أنتِ الأول”.
“أنقذ نفسي إزاي والورق كله تزوير؟!”
عم أحمد بصلي وقال: “إحنا هنرفع قضية ‘إثبات زواج’ وقضية ‘إثبات نسب’ لأدم.. هنجيب شهود من الجيران اللي شافوه وهو عايش معاكي بقاله سنين، وهنطلب تحليل DNA لو اتمسك، أو هنجيب شهادة الجيران وإقرار بالمعاشرة الزوجية عشان نطلع لأدم ورق رسمي باسم أبوه الحقيقي.. مش هنسيب الواد يضيع”.
الكلام ريح قلبي شوية، بس كان فيه نار جوايا مش هتنطفي إلا لما المجرم ده يقع.
مرت شهور وأنا كعابي دابت في المحاكم.. نظرات المحامين، وأسئلة القضاة، وتحقيقات النيابة اللي كانت بتخليني أحس إني عريانة وقدام الناس كلها. كل جيراننا في المنطقة القديمة جم وشهدوا معايا، ووقفوا وقفة رجالة وقالوا إن الراجل ده كان عايش معاها على إنه جوزها علناً قدام ربنا والناس.
وفي يوم، وأنا قاعدة عند عم أحمد في المكتب بنتابع القضية، تليفونه رن.. رد، ولقيته وقف فجأة وصوته اتغير: “أنت بتتكلم بجد؟! فين؟! طيب أنا جاي حالاً”.
قفل السكة وبصلي وعينه بتلمع: “اتمسك يا منى! مسعد اتمسك في كمين وهو بيحاول يهرب بطريقة غير مشروعة!”.
حسيت إن روحي رجعتلي.. قومت وقفت وقولت بقوة عمري ما حسيت بيها قبل كده: “أنا لازم أروح.. لازم أشوفه وهو مكسور زي ما كسرني!”.
روحت مع عم أحمد على النيابة، ووقفت ورا باب التحقيق.. ولما العسكري خرجه والكلابشات في إيده، شوفت طارق.. قصدي مسعد! مكنش طارق الحنين اللي عرفته.. كان وشه شاحن، وعينه زي التعالب، وهدومه مبهدلة.
أول ما عينه جت في عيني، حاول يدير وشه، بس أنا قربت منه ووقفت قدامه، وبقيت أبص له بنظرة مفيهاش دموع.. فيها غل وقرف.
وقفت وقولتله بصوت عالي وثابت سمعه كل اللي في الممر: “فاكر نفسك ذكي؟ فاكر إنك لما تسرق اسم، وتسرق عمر بنت، وتسرق مستقبل طفل، ربنا هيسيبك؟ أنت عشت جبان وهتموت في السجن محبوس.. وأنا ابني هربيه وهيبطل يشيل اسمك، وهيطلع أنظف وأرجل منك يا مجرم!”.
مسعد بنذالة بص في الأرض ومطقش بكلمة، والعسكري شده ومشي بيه لزنزانته.. شوفت ظهره وهو ماشي وحسيت إن جبل كان كاتم على نفسي وانزاح.
بعد السنين دي كلها، القضية حكمت ليا بإثبات النسب، وأدم بقا معاه شهادة ميلاد حقيقية باسم “أدم مسعد”.. مكنش الاسم اللي بتمناه، بس على الأقل ابني بقا ليه وجود، وبقا يقدر يدخل المدرسة زي بقية الأطفال.
أنا اتعلمت الدرس الغالي أوي.. الدرس اللي دفعنا تمنه سنين من عمري.. الحب الأعمى مبيجيبش غير الندم، والثقة المطلقة في شخص ملوش أصل هي أول طريق الهاوية. دلوقتي، وأنا واقفة قدام باب المدرسة وبسلم ملف أدم للموظفة، وهي بتبتسم وتقولي: “ورقك تمام يا مدام”، بصيت للسما وقولت: “الحمد لله.. بردت ناري، وبدأت حياتي من جديد”.
عدت السنة الأولى لأدم في المدرسة، وكل يوم كنت باخده في حضني الصبح وأنا بوجّهه لباب المدرسة، كنت بحس إن كل خطوة بيخطيها هي خطوة ليا أنا كمان ناحية الحياة من جديد. اشتغلت، نزلت واجهت الدنيا، مكنش ينفع أفضل كاسرة نفسي بعد اللي حصل. اشتغلت في أتيليه تفصيل وخياطة، وبقيت بقرش الحلال قادرة أكفي نفسي وابني، ومحتاجش لمخلوق.
وفي يوم وأنا راجعة من الشغل، لقيت عم أحمد المحامي بيكلمني، صوته كان فيه نبرة غريبة.. هدوء ممزوج براحة.
“إزيك يا منى يا بنتي.. عاملة إيه وأدم عامل إيه؟”
“الحمد لله يا عم أحمد، في فضل ونعمة.. خير، فيه جديد في القضية؟”




