قصص و روايات

جارتي الجديدة

وقفت على بعد خطوتين من الشجرة. شفت المكان اللي نجلاء وقفت فيه وداست فيه برجليها.
على الأرض، كان في بقعة سودا كأنها زيت عربيات محروق، بس فيها لزوجة مقززة، وشوية قشر بيض متكسر لونه بني غامق.. وخصلة الشعر والبيجامة مكنوش موجودين، أخدتهم معاها!
بلعت ريقي بصعوبة، ونزلت على ركبي، ومشيت زحف على الأرض لحد الخط الفاصل بين الجنينتين.. الخط اللي كان عليه سور الشجر القديم واتشال، والمفروض يتبني عليه سور الطوب.
افتكرت الأماكن اللي شفتها فيها الأيام اللي فاتت وهي بتحفر الفجر.
حطيت سن الفأس الصغير في أول نقطة، وبدأت أنبش في التراب بإيدين بترتعش. التراب كان طري ومهوي في الحتة دي، كأنه اتحفر قريب. بعد حفر حوالي 15 سنتيمتر بس، سن الفأس خبط في حاجة صلبة وطلعت صوت طقة خفيفة: “تك”.
قلبي دق في حنجرتي. وقفت الفأس، ومديت إيدي بالجوانتي وبدأت أزيح التراب بصوابعي.
ظهرت البيضة الأولى!
مسكتها وطلعتها بحذر.
البيضة مكنتش طبيعية بالمرة. مكانتش بيضة فراخ بيضا أو حمرا عادية.. كانت مطلية بمادة غريبة وناشفة، وعليها من برة رموز ونقوش مكتوبة بحبر أحمر رفيع جداً.. حروف مش مفهومة، وأرقام متقاطعة في مربعات، وفي النص مكتوب اسمي واسم أمي: “ياسمين بنت كوثر”!
وعلى قمة البيضة، كان ختم أسود مقفول بيه خرم صغير زي اللي نجلاء عملته بالإبرة الصبح.
جسمي كله قشعر برعدة رهيبة، وحسيت بالبرد بيسري في ضهري.
“دي حاجات خطيرة.. دي كانت بتدفن أشياء باسمي وباسم أمي كل يوم!”
بس الفضول دفعني مأقفش. بدأت أحفر في النقطة التانية على بعد متر واحد.. لقيت البيضة التانية! بنفس الرموز، بس الختم المرة دي كان أحمر.
حفرت في النقطة التالتة.. لقيت التالتة.
والرابعة.. والخامسة.. والساتة!
ست بيضات كاملين، مرصوصين على خط مستقيم بالمللي، المسافة بين كل بيضة والتانية متر بالظبط، كأنها كانت بتقيس المسافات بمسطرة هندسية مش مجرد دفن عشوائي!
جمعت الست بيضات في طبق بلاستيك كبير، وكنت لسه هقوم عشان أدخل بيهم شقتي وأشوف هعمل فيهم إيه، أو أبلغ الشرطة.. وفجأة، سمعت صوت ورا ضهري خلاني اتسمرت مكاني ونفسي انقطع تماماً!
”بتدوري على حاجة يا أستاذة ياسمين؟”
اتنفضت من طولي وصرخت صرخة مكتومة، الطبق كاد يقع من إيدي، ولما لفت وشي لقيت نجلاء واقفة على بعد مترين بس مني، ساندة ضهرها على شجرة جوا جنينتها!
بس المرة دي، شكلها كان غير شكل الفجر تماماً.
كانت لابسة فستان بيت قطن لونه أزرق فاتح مبهج، حاطة طرحة خفيفة على شعرها، وفي إيدها صينية صغيرة شايلاها عليها فنجانين قهوة تركي بوش يطلع منهم بخار سخن وريحة الحبهان مالية الجو!
وشها كان عليه ابتسامة صافية، هادية، بريئة تماماً.. كأنها جارة محترمة داخلة تصبح عليكي بجيرانة وهدوء!
”نـ.. نجلاءY?!“ الكلمة خرجت من بؤي بالعافية، حاولت أداري الطبق اللي فيه البيض ورا ضهري، بس هي عينيها نزلت على إيديا مباشرة، ورجعت بصت في عيني بنفس النظرة الباردة.
”صباح الخير يا حبيبتي،” قالتها بنبرة صوت ناعمة لدرجة الاستفزاز: “شوفتك نازلة الجنينة بدري أوي من غير فطار، قولت أعملنا فنجانين قهوة نشربهم سوا في الطراوة قبل ما الدوشة تبدأ وعمال السور ييجوا.”
قربت خطوة، ومدت الصينية نحوي: “اتفضلي.. قهوتك مظبوط زي ما بتحبيها، من غير سكر كتير.”
أنا رجعت خطوتين لورا بخوف واضح، وعيني رايحة جاية بين وشها الهادي وفنجان القهوة:
“أنتِ.. أنتِ عايزة مني إيه يا نجلاء؟! إيه القرف اللي بتدفنيه في الأرض ده؟! وإيه البيضة اللي كسرتيها الصبح في وش الكاميرا؟! وشعري وبيجامتي بيعملوا إيه معاكي؟!”
ضحكت نجلاء ضحكة هادية رنانة، هزت كتفها بخفة وقالت:
“كاميرا؟! كاميرا إيه وقرف إيه يا ياسمين؟ أنتِ شكلك منمتيش كويس وعندك كوابيس يا روحي.. دي قهوة، سخنة ونضيفة والله، خدي بس شربي فنجانك عشان تروقي ونتكلم في موضوع السور.”
في تلك اللحظة التي تلاقت فيها عيناي بعيني نجلاء، شعرت بخطر حقيقي يحيط بي.
الباب كان مفتوحاً بمقدار شبر واحد، وقدم نجلاء بجزمتها الجلدية كانت مغروزة في الفتحة كإسفين يمنعني من الإغلاق. وخلف كتفها الأيمن، برزت ماسورة ذات لون أسود مطفي، يعلوها كاتم صوت أسطواني، ومثبتة في قبضة زوجها ذي العين الواحدة البيضاء الميتة. نظرته كانت حادة، وأصابعه مشدودة على الزناد بثبات.
”ادخلي جوة.. بالراحة ومن غير صوت،” قالها زوجها بنبرة خفيضة، ودفع الباب بكتفه بقوة جعلتني أطير إلى الخلف وأرتطم بالأرضية الرخامية في الصالة.
دخل الاثنان وأغلقا الباب خلفهما بالمفتاح والترباس. وقفت نجلاء تستند بظهرها على الباب، وابتسامتها تتسع وهي تنظر إلى الفأس الصغير المرمي بجواري وإلى يدي المرتجفتين، بينما تقدم زوجها خطوتين نحوي موجه مباشرة إلي.
وفجأة.. تكرر الصوت!
”خربشة.. ثم طرقة خشبية مكتومة.. وصوت أنين بشري ممزق يخرج من تحت البلاط!”
الصوت لم يكن في خيالي، كان حقيقياً لدرجة أن بلاطة السيراميك الكبيرة في زاوية الصالة اهتزت اهتزازاً طفيفاً، وتصاعد منها غبار أبيض ناعم!
نظرت إلى الأرض بصدمة، ثم رفعت عيني إليهما وأنا ألهث وأكاد أختنق:
“مين.. مين اللي تحت الأرض؟! أنتوا عملتوا إيه في عم منصور؟! وعايزين مني إيه؟!”
ضحك زوج نجلاء ضحكة جوفاء، ولم ينزل ، بل حرك فوهته مشيراً إلى تلك البلاطة بالذات وقال ببرود:
“عمك منصور لسه فيه الروح.. بقاله تلات أسابيع تحت في السرداب القديم، مكنش راضي ينطق بمكان الذهب وعقود الأطيان، وكل ما نجوعه يزداد عناد.. بس خبط الهيلتي برة هزه وفوقه من الغيبوبة.. الظاهر افتكر إن الفرج جه!”
ثم نظر إلى نجلاء بحدة وأمرها:
“شوفي الحبال في المطبخ وكتفيها بسرعة، مش عاوزين غلطة واحدة.. العمال برة بيطلعوا الصندوق، وبمجرد ما نأمن الصندوق والورق، هنرمي البت دي والعجوز تحت في الخزان، وندفنهم مع المقاول ونصب الخرسانة.. العربية الكبيرة بالأسمنت هتوصل كمان نص ساعة والحي مش هيحس بشاجة!”
تحركت نجلاء بخطوات سريعة نحو المطبخ، وكان ذلك أول خيط أمل ينبت في قلبي وسط ظلام تلك المأساة!
المطبخ!
في المطبخ على الرخامة كان طبق البيض المكسور، وجردل التراب، والأهم من ذلك كله: سكين المطبخ العريض الحاد الذي تركته بجوار الحوض!
في تلك اللحظات الفاصلة بين الحياة والموت، حدث تحول عجيب في داخلي. الخوف الشديد حين يصل إلى ذروته، إما أن يقتل الإنسان أو يوقظ فيه غريزة بقاء شرسة لا تعرف التردد. كل مشاعر الضعف والارتجاف التي عاشت معي منذ الصباح تبخرت دفعة واحدة.
بينما كان زوجها يراقبني وعينه السليمة تتفحص الصالة، وعينه الأخرى مائلة نحوي، رفعت يدي ببطء متظاهرة بالاستسلام التام والانهيار، وأجهشت بالبكاء بصوت مرتفع:
“حرام عليكم.. أنا ماليش دعوة بحاجة! أنا يتيمة وعايشة في حالي.. خدوا كل دهب أمي وفلوسي وسيبوني أعيش! والله ما هفتح بقي، والله ما هبلغ الشرطة!”
ارتخت ملامح الرجل قليلاً، وظهرت على شفتيه نظرة استعلاء واحتقار:
“فات الأوان يا حلوة.. اجهزي عشان تنامي نومة أبدية.”
في تلك اللحظة بالذات، انطلقت نجلاء المفزوعة من داخل المطبخ:
“طاااارق!! الحقني يا طارق! البيض.. البيض والحاجة مش هنا.. البت فتحت البيض وعرفت كل حاجة!”
التفت طارق برأسه لا إرادياً نحو باب المطبخ لكسر من الثانية..
تلك الثانية كانت فرصتي الوحيدة والأخيرة للنجاة!
بكل ما أوتيت من عزم وقوة، ضربت بيدي الفأس الصغير الملقى بجواري على الأرض، وقذفته بكل قوتي نحو وجهه!
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى