قصص و روايات

طبيخ سلفتي

المنظر كان صعب جداً، بس المرة دي أنا مأقرفتش… المرة دي أنا ابتسمت.
ابتسمت ابتسامة هادية جداً، وقربت منها بخطوات واثقة، وقولتلها بصوت ناعم:
تسلم إيدك يا إيمان… بصراحة، الكل تحت بيحب أكلك، ممكن تعلميني سرك في الطبخ؟ عشان أطلع شاطرة زيك؟
إيمان بصتلي بغرور وقالتلي: أيوه كده! اتعدلي معايا، وأنا أعلمك تبقي ست بيت على أصوله!

قربت منها أكتر، وسحبت التليفون بتاعي بمنتهى الهدوء، وفتحت كاميرا الفيديو، وقولتلها: أنا خايفة أنسى خطوة من حكاتك وجبارك، فأنا هصورك بالموبايل من أول ما تبدأي لحد ما تخلصي الأكل، عشان أرفع الفيديو عندي وأفضل أتعلم منه!
إيمان ضحكت بتبجح وقالت: أيوة كده يا نور! صوري يا اختي صوري.. اتعلمي عشان تبيضي وشك قدام جوزك.

وبدأت العرض! وأنا واقفة ماسكة الموبايل، مثبتة الكاميرا عليها وعلى إيديها، موثقة كل كادر بزاوية قريبة. بدأت ترمي اللحمة في المية من غير غسيل، ولما الريم طلع، قلبت الشوربة بالريم وقالت دي البهاريز!
دخلت على الرز، غرفته وحطته من غير ما تغسله عشان النشارة والنكهة! وبنتها جرت عليها، مسحت مناخير البت بجلابيتها، وبنفس الإيد حطت كبشة سمنة جوة الرز!
جت عند السلطة، قطعت الطماطم اللي فيها أجزاء تالفة، وعصرت الليمون وقلبت السلطة بكفيها اللي مش نظيفة وهي بتقول: إيد الست في الأكل بركة!

خلصت إيمان العك ده، ونزلت السفرة للرجالة تحت، وحماتي وجوزي وجوز إيمان قعدوا، وإيمان نازلة ترص الصحون بكل فخر.
الرجالة سموا الله ومدوا إيديهم، وجوزي مسك معلقة الشوربة ولسه هيحطها في بؤه..
في اللحظة دي، شاشة التلفزيون الكبيرة اللي في الصالة، اللي كانت متوصلة بموبايلي بخصائص العرض، اشتغلت فجأة بصوت عالي جداً!

الكل اتخلع وبص على الشاشة.. الصوت كان مالى الصالة، وصورة إيمان مالية الشاشة بأعلى جودة!
ظهرت إيمان على الشاشة وهي بتمسح مناخير بنتها بإيدها، وبعدين بتحط السمنة جوة الرز! والتلفزيون جاب اللقطة مكبرة جداً لأظافرها وهي بتقلّب طبق السلطة بكفيها، والطماطم التالفة وهي بتتقطع!

الصمت ساد القاعة تماماً.. أحمد جوزي حط المعلقة من إيده بشويش، ووشه بقى أحمر زي الدم من القرف، وبص للصحون برعب. أما جوز إيمان، لما شاف المنظر على الشاشة الكبيرة، جاله ذهول وقام جارياً على الحمام!
أحمد جوزي وقفت زاعق بصوت هز البيت كله: إيه القرف ده؟! أنتو بتاكلونا إيه؟! نفسي اتسدت والنعمة دي حرمت عليا!

إيمان وقفت مبهوتة، وشها اصفر وبقت تصرخ: يا نذلة! أنتي بتصوريني؟!
أنا وقفت بمنتهى الهدوء، ودمعة في عيني، وقولت لجوزي: يا أحمد.. أنا بعاني من الموضوع ده من يوم ما دخلت البيت.. كل ما أكلمها تقولي غيرة سلايف، ولما نزلت اشتكيت لحماتي قالتلي الأكل عاجبنا ولو مش عاجبك متاكليش! أنا ملقيتش طريقة أثبتلكوا بيها غير إنكم تشوفوا بعينكوا!

أحمد بص لأمه وقال: يا أمي انتي كنتي عارفة بالقرف ده وساكتة؟! عشان كده نور كانت بتخس ومبتاكلش معانا؟!
حماتي اتلخبطت وحاولت تدافع: يا بني.. ما طول عمرنا بناكل وهي شاطرة..
أحمد قاطعها بعصبية: شاطرة في إيه! اسمعي يا أمي.. لو الحال ده فضل كده، أنا ومراتي هناكل ونشرب في شقتنا فوق، ومحدش ليه دعوة بينا!

هنا حماتي أدركت إن البيت بيتهد، وقفت مرعوبة، وبصت لإيمان وزعقت فيها: انغوري من وشي يا وسخة! والله العظيم، من النهاردة ما في حلة هتتحط على نار ولا لقمة هتدخل البيت ده إلا وأنا واقفة فوق راسك في المطبخ خطوة بخطوة!
واتلفتت لي ووعدتني قدام جوزي: أنا بضمنلك يا نور.. من بكرة، أنا هفضل واقفة معاها في المطبخ بنفسي، وأضمن إن كل حاجة تتغسل مية مرة بالصابون والمية!

وفعلاً.. من اليوم ده، اتغيرت القوانين في البيت 180 درجة!
من تاني يوم الصبح، بقيت أنزل ألاقي حماتي قاعدة على كرسي جوة المطبخ، ماسكة عصاية خيزران في إيدها، وإيمان واقفة قدام الحوض زي التلميذ الخايب!
حماتي تزعق فيها: اغسلي إيديكي بالصابونة دي ثلاث مرات! شمرّي دراعاتك! أطلعي استحمي وغيري هدومك الأول! الطبق ده يتشطف مية مرة!

وإيمان بقت واقفة بتتنفض، بتغسل إيدها بالصابون والخل كل دقيقتين، وتغسل الخضار ورقة ورقة وهي حاطة وشها في الأرض ومبقتش تقدر تفتح بؤها بنص كلمة!
وأنا؟ بقيت أقعد في المطبخ أعمل كوباية الشاي بتاعتي بمنتهى الراحة، وأتفرج عليهم وأبتسم بانتصار.. عرفت أخد حقي، وأحمي صحتي، وأحط حد للمهزلة دي وللأبد بالذكاء والدليل القاطع!
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى