روايات وقصص

حمايا عندة عمارتين حكايات زهرة الربيع

سلايفي الضحكة اتكتمت في زورهم ووشوشهم جابت ألوان، وعادل وتامر انهاروا على الكراسي ومش مصدقين إن الكنز اللي كانوا فاكرين إنهم طاروا بيه، بقى تحت رحمة سحر اللي كانوا بيسخروا منها. راضي جوزي بصلي وعينيه مليانة دموع، مسك إيدي وباسها، ووقتها بس فهمت السر وعرفت كلمة الحاج كان معناه إيه.. كان يقصد إن أصل مراته الطيب ووقفتها جنبه هما الكنز الحقيقي اللي فتحلنا أبواب الرزق والعدل اللي محدش كان يتخيلها.
انقلبت الآية في لحظة، والصالة اللي كانت من شوية مليانة سخرية وغمز ولمز بقت عاملة زي القبر. سلايفي اللي كانوا بيتغمزوا عليا ويبصولي بصات الشفقة المزيفة، بقوا يتنقلوا بعينيهم بيني وبين المحامي وشفايفهم بتهتز ومش قادرين ينطقوا حرف. واحدة منهم قربت مني بابتسامة صفرا ومزيفة، صوتها بيترعش وهي بتقول: “يا سحر يا حبيبتي.. إحنا أهل وما يصحش الكلام ده خالص، أكيد المتر فاهم غلط، الحاج الله يرحمه كان بيحبنا كلنا ومش معقول يفرق بين ولاده!”
بصلتها ببرود ومن غير ما أرد عليها كلمة واحدة، افتكرت في ثانية دموع ابني لما دخل عليا المطبخ مقهور من كلام ولاد عمومته، وافتكرت حرقة قلب جوزي وهو طالع بكسرة نفس من بيت أبوه يوم توزيع التركة.
وقفت بثبات وراضي جوزي قام قفل الملف بهدوء شديد، وقسمات وشه اتغيرت تماماً من الضعف للهيبة. بص لإخواته وقال بنبرة هادية بس توزن بلد: “أنا عمري ما طمعت في حق حد فيكم، ولا عمري طلبت من أبويا مليم.. بس أبويا الله يرحمه كان شايف مين اللي بيخدمه بقلبه ومين اللي كان عينه على إيجار العمارتين ومستني موته بفارغ الصبر. حق مراتي وولادي هيوصلنا بالقانون، ومن بكرة الأستاذ المحلاوي هيستلم نص إيجارات العمارتين زي ما الحاج كتب ورسم بالظبط.”
عادل حاول يمسك إيد راضي ويتوسل له والندم مالك وشه: “سامحنا يا راضي.. إحنا اتعمينا بالفلوس، والعمارتين دول هما كل حيلتنا!”.. بس راضي سحب إيده بهدوء وقاله: “اللي يتعمى بالفلوس يتعلم من الدنيا يا عادل.. أبويا لما قال ‘كفاية عليك مراتك’ مكنش بيقلل مني، كان عارف إن أصلها الطيب وصبرها هو الكنز الحقيقي اللي هيحفظلي بيتي وكرماتي.”
خرج المحامي ومشي، وساب إخوات جوزي وسلايفي قاعدين في الصالة مكسورين، يدوقوا نفس طعم القهر والندم اللي عيشونا فيه شهور. دخلت جوة أخدت ابني في حضني وقلتله وبصوتي فرحة ومسحت دموعه: “شفت يا حبيبي؟ جدك كان بيحبنا قوي، وعمره ما ظلمنا.. جابلك حقك لحد عندك.” ومن اليوم ده، رأسنا اترُفعت فوق، وعرفنا إن عدل ربنا مابيتأخرش، وإن اللي يرضى بقليله ويصون أصله.. ربنا بيعوضه بملك ملوش حدود.
مر شهر كامل على اليوم ده، والحياة اتغيرت في بيتنا تماماً. المجمع التجاري الجديد بقى باب رزق كبير مفتوح لينا، وراضي جوزي مسك إدارته بذكاء وهمة محدش كان يتوقعها منه، كأنه كان مستني الفرصة طول عمره عشان يثبت لنفسه وللكل إنه قادر ويستاهل، مش القليل ولا المكسور زي ما كانوا شايفينه.

في يوم، كنت قاعدة مع راضي في مكتبه الجديد المترتب جوة المجمع، الباب اتخبط بهدوء شديد، ودخل عادل إخوه الكبير. وشه كان دبلان وعينيه متثبتة في الأرض، ماسك في إيده ظرف فلوس وإيصالات. كان شكله يكسر القلب، شتان بين الراجل المتكبر اللي كان بيتباهى بالورث زمان، والراجل اللي واقف قدامنا دلوقتي بيقدم رجل ويأخر رجل.
قرب عادل من المكتب وصوته واطي ومكسور: “مساء الخير يا راضي.. أنا جايب نص إيجار الشهر بتاع العمارة زي ما المحامي حدد. وكنت.. كنت عاوز أطلب منك طلب يا أخويا.”
راضي قام من على كرسيه بسرعة، استقبله باحترام وهدوء وقعده، وقاله: “اتفضل يا عادل، اقعد.. طلب إيه؟”
عادل قعد بالعافية، ومسك دماغه بقلة حيلة وهو بيحكي: “السوق نايم، والمحلات اللي تحت عندي فاضية بقالها شهرين، ومش قادر أكفي مصاريف بيتي ولا مدارس العيال.. ومراتي اللي كانت بتضحك وتتريق زمان، سايبة البيت وغضبانة عند أهلها بسبب الضيقة. أنا طمعت يا راضي، والفلوس اللي جيت على حقكم عشانها أعمتني، ودلوقتي الدنيا دارت عليا.”
راضي بصله بنظرة فيها أسى وحزن، وبصلي كأنه بيستشيرني من غير كلام. هزيت رأسي بهدوء، أنا مش من طبعي الشماتة ولا القسوة، والدرس اللي أخدوه من ربنا كان كفاية أوي عشان يفوقهم.
راضي حط إيده على كتف إخوه الكبير وقال بنبرة كلها رجولة وأصل: “أنا مش هنسى إنك أخويا الكبير يا عادل، وأبويا الله يرحمه ما علمناش نرد الإساءة بالإساءة. الظرف ده خليه معاك الشهر ده وشيّل بيه بيتك.. ونص الإيجار بتاع الأرض مسامحك فيه لحد ما أمورك تظبط وتقف على رجلك تاني.”

عادل ما صدقش، رفع راسه وبص لراضي وليا وعينيه مليانة دموع وندم حقيقي، وقام يبوس رأس إخوه وهو بيترجاه يسامحه: “أنتم أنضف مني ومن الكل.. سامحيني يا سحر، حقك عليا يا أم الجدع، أنا عشت وعرفت إن الحاج الله يرحمه كان شايف الصح، وعرف يختار مين اللي هيصون العيلة.”
خرج عادل وهو حاسس بكرامته اللي راضي أنقذها، وراضي لف ليا وابتسامات الرضا مالية وشه، مسك إيدي وقال: “ربنا يخليكي ليا يا سحر.. دلوقتي بس عرفت إن كلمة أبويا كانت دعوة وحكمة، وإنه فعلاً كفاية عليا إنتي.”
بس تامر الأخ الوسطاني ما اتعلمش الدرس بالسهولة دي زي عادل. مراته زنت في ودنه وشحنته نار، وقالتله: “تسيب العمارة تروح لسحر؟! إحنا نروح لأشطر محامي ونلغي العقود دي كلها، دي هبلة وتستاهل!”.. وتامر للأسف سمع كلامها، وعمي بالغل. راح لمحامي نصاب في البلد، أقنعه إنه يقدر يرفع “دعوى بطلان” ويرجع العمارة باسمه، وأخد منه مبالغ خيالية. تامر عشان يجيب الفلوس، استلف من طوب الأرض وكتب على نفسه إيصالات أمانة بمبالغ تقيلة عشان يدفع للمحامي، ومكنش عارف إنه بيحفر قبره بإيده.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى