ديني

فضل الذكر وقراءة القرآن بعد صلاة الفجر

يُعد شهر رمضان المبارك بمثابة المحطة الإيمانية الكبرى التي تزود المسلم بالوقود الروحي للعام بأكمله، وبعد انقضاء أيامه ولياليه المباركة، يحرص المسلم الصادق على استدامة العبادة والحفاظ على جزء كبير من العادات الصالحة التي اكتسبها، كالصلوات في أوقاتها، والذكر المستمر، وقراءة القرآن الكريم. ومن أعظم العبادات التي تظل راسخة في جدول المؤمن اليومي، والموصى بها بشدة طوال العام، المحافظة على صلاة الفجر في جماعة، وما يتبعها من مجالس الذكر وتلاوة آيات الذكر الحكيم حتى طلوع الشمس.

 

فضل صلاة الفجر والجلوس حتى طلوع الشمس
لقد جعل الشارع الحكيم لوقت الفجر مزية خاصة وبركة عظيمة، فهو وقت تجدد الأرزاق وتنزل الرحمات. وقد حث النبي صلى الله عليه وسلم على استغلال هذا الوقت الأبرك بالأعمال الصالحة.

وقد بيّنت دار الإفتاء المصرية، في ردها على تساؤلات المتابعين حول الأعمال المستحبة بعد صلاة الفجر، أن السنة النبوية المطهرة حفلت بالأدلة التي تدل على فضل الذكر عقب صلاة الصبح حتى الشروق. ومما استدلت به ما رواه أنس بن مالك رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «مَنْ صَلَّى الْغَدَاةَ فِي جَمَاعَةٍ ثُمَّ قَعَدَ يَذْكُرُ اللهَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَانَتْ لَهُ كَأَجْرِ حَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ؛ تَامَّةٍ تَامَّةٍ تَامَّة».

هذا الحديث الشريف يفتح باباً عظيماً لكل محروم من السفر للحج والعمرة، أو لمن أراد مضاعفة أجره وهو في مكانه، حيث ينال هذا الثواب العظيم لمجرد جلوسه ذاكراً لله، مسبحاً ومستغفراً وتالياً لكتابه، حتى ترتفع الشمس قيد رمح، ثم يصلي ركعتي الضحى (اللتين سماهما الحديث ركعتين).

حكم قراءة سورة يس بعد الفجر والمواظبة عليها
من بين سور القرآن الكريم التي شغلت أهتمام المسلمين في أوقات الصباح والمساء، سورة “يس”. وحول حكم قراءة سورة يس بعد صلاة الفجر بصفة خاصة كل يوم، أكدت دار الإفتاء أن الشرع الشريف قد بيّن فضلها وعِظَم أجر تلاوتها.

وقد استندت الفتوى إلى ما ورد عن أنس بن مالك رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ قَلْبًا، وَقَلْبُ القُرْآنِ يس، وَمَنْ قَرَأَ يس كَتَبَ اللهُ لَهُ بِقِرَاءَتِهَا قِرَاءَةَ القُرْآنِ عَشْرَ مَرَّاتٍ» رواه الترمذي.

وبناءً على هذه الأحاديث، خلصت الفتوى إلى أنه لا مانع شرعاً من قراءة سورة “يس” بعد صلاة الفجر، ولا بأس بالمواظبة على ذلك كبرنامج يومي للتقرب إلى الله تعالى. غير أنه يُشترط لمن يؤدي صلاة الفجر في المسجد جماعة، ويود قراءة السورة جهراً، مراعاة آداب المساجد وموافقة القائمين عليها، حتى لا يحدث تشويش على المصلين الآخرين الذين قد يكونون منشغلين بالسنن أو الأذكار الفردية، إذ يمكن للمسلم قراءتها سرا لنفسه إذا تطلب الأمر ذلك.

خواطر الإمام الشعراوي حول فضل سورة يس
تطرق الإمام الراحل الشيخ محمد متولي الشعراوي في خواطره ودروسه المباركة إلى فضل سور القرآن الكريم، وخصّ سورة “يس” ببعض الدلالات الإيمانية العميقة باعتبارها “قلب القرآن”.

ومن جملة ما نُقل عنه في هذا السياق، ما كان يرويه عن والده رضي الله عنه قوله: «المريض الذي تُقرأ عنده يس يأتي عنده صفوف الملائكة عند كل حرف عشرة آلاف ملك لا يفارقونه حتى يُموت»، مشيراً إلى أن هؤلاء الملائكة يشهدون تغسيله، وتشييعه، والصلاة عليه حتى يُدفن.

كما توجد روايات وآثار أخرى تتعلق بفضل قراءتها أو قراءتها على المريض، منها ما يشير إلى معاني الطمأنينة والسكينة التي تغشى قلب المؤمن المحتضر أو المتألم، ومنها ما روي في بعض المأثورات عن فضل المداومة عليها، حيث أخرج الطبراني وابن مردويه من حديث أنس رضي الله عنه مرفوعاً: «مَنْ دَاوَمَ عَلَى قِرَاءَةِ يس كُلَّ لَيْلَةٍ ثُمَّ مَاتَ، مَاتَ شَهِيدًا». ورغم اختلاف درجات بعض هذه الآثار، إلا أن العلماء اتفقوا على جواز عمل المسلم بالفضائل ما لم تثبت حرمتها، طالما أن ذلك يبعث على اليقين والتقرب إلى الله بالقرآن كله.

كيف نستثمر أوقات الصباح بعد رمضان؟
لاستغلال هذه الأوقات بالشكل الأمثل، يمكن للمسلم اتباع برنامج يومي مبسط بعد صلاة الفجر يجمع بين بركة الزمان وفضل العبادة:

الجلوس في مصلاه: بعد الفراغ من الصلاة الراتبة والجماعة، يبدأ المسلم بأذكار الصباح المأثورة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهي حصن حصين للعبد طوال يومه.

تلاوة ما تيسر من القرآن: سواء بقراءة حزب اليوم، أو تخصيص قراءة سورة “يس” بانتظام استئناساً بفضلها المروي، وتدبراً لمعانيها الإيمانية العميقة في التوحيد والبعث والنشور.

الدعاء والاستغفار: وقت السحر وبداية النهار هما من أرجى أوقات الإجابة، حيث ينزل الله تعالى إلى السماء الدنيا، وهو فرصة عظيمة لطلب المغفرة وقضاء الحوائج.

صلاة الضحى: ختم هذا المجلس المبارك بركعتين أو أربع ركعات ضحى، لينال الأجر التام الموعود به في الحديث الشريف كأجر حجة وعمرة تامة.

إن المداومة على هذه الأعمال الصالحة بعد رمضان تعد دليلاً قاطعاً على قبول الطاعة واستمرار الصلة بالله عز وجل، فالعمل الصالح أحبه إلى الله أدومه وإن قل، والبدايات الصباحية الصحيحة تصنع يوماً مباركاً ونفساً مطمئنة قادرة على مواجهة أعباء الحياة بمدد من اليقين والإيمان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى