قصص و روايات

امرأه عزباء

“ماما…”

مريم بدأت تبص على الركاب.

لحد ما شافت ولد صغير قاعد في المقعد 12F.

كان عنده حوالي سبع سنين.

وبيعيط.

جريت ناحيته.

“إنت كويس؟”

الولد هز راسه.

“أنا عايز ماما.”

مريم بصت للمقعد اللي جنبه.

فاضي.

“فين مامتك؟”

الولد أشار ناحية الحمام.

“دخلت هناك.”

مريم بصت للحمام.

الباب كان مقفول.

راحت تخبط.

“مدام؟”

مفيش رد.

خبطت تاني.

“مدام، أنا محتاجة أعرف إذا كنتِ بخير.”

الصمت استمر.

مريم بصت للمضيفة.

“افتحيه.”

المضيفة جابت المفتاح.

الباب اتفتح.

لكن الحمام كان فاضي.

مريم بصت للولد.

“إنت متأكد إن مامتك دخلت هنا؟”

الولد هز راسه.

وبعدين قال:

“أيوه.”

سكت لحظة.

وأضاف:

“بس الراجل اللي لابس البدلة هو اللي خدها.”

مريم اتجمدت.

“أي راجل؟”

الولد أشار ناحية دانيال.

“هو.”

كل العيون اتوجهت لدانيال.

دانيال رفع إيديه بهدوء.

“أنا ما لمستش حد.”

مريم بصت للولد.

“إنت متأكد؟”

الولد هز راسه.

“مش هو.”

مريم استغربت.

“أمال مين؟”

الولد أشار ناحية آخر الطائرة.

“الراجل اللي كان لابس نفس البدلة.”

مريم بصت في الاتجاه اللي أشار له.

كان فيه راجل قاعد لوحده.

لابس بدلة سوداء.

وشعره أبيض.

والأغرب…

إنه كان بيبتسم.

مريم تقدمت ناحيته.

لكن قبل ما توصل، الراجل قام.

ومجرد ما شافها…

قال:

“أخيرًا يا مريم.”

مريم وقفت.

“إنت مين؟”

الراجل ابتسم.

“إنتِ مش فاكراني؟”

مريم دققت في ملامحه.

وشها بدأ يتغير.

لأنها تعرفه.

تعرفه كويس جدًا.

كان واحد من أهم الضباط اللي اشتغلت معاهم قبل سبع سنين.

لكن حسب الملفات الرسمية…

الراجل ده مات في نفس الحادثة اللي أنهت مسيرتها.

مريم همست:

“مستحيل…”

الراجل قال:

“أنا عارف إنك فاكرة إني مت.”

مريم رجعت خطوة.

“إنت… كنت على متن الطائرة اللي وقعت.”

“أيوه.”

“إزاي عايش؟”

ابتسامته اختفت.

“لأن الطائرة ما وقعتش بالصدفة.”

دانيال وصل عندهم.

وشه اتغير بمجرد ما شاف الرجل.

وقال:

“أنت.”

الرجل بص له.

“اتأخرت يا دانيال.”

مريم بصت بين الاتنين.

“إنتوا تعرفوا بعض؟”

دانيال قال:

“للأسف.”

الرجل ضحك.

“قول لها الحقيقة.”

دانيال سكت.

مريم صرخت:

“أي حقيقة؟!”

الرجل قرب منها.

“الحقيقة إن زميلك ما ماتش في الحادث.”

مريم حست إن الدنيا بتلف بيها.

“أمال مات إزاي؟”

الرجل رد:
مريم فضلت باصة للشاشة، وكأن عقلها بيرفض يستوعب اللي شايفاه.
الوجهة: قاعدة فالكون العسكرية.
نفس المكان.
نفس القاعدة اللي من سبع سنين خرجت منها في آخر رحلة طيران في حياتها.
الرحلة اللي رجعت منها لوحدها.
من غير زميلها.
ومن غير طيارتها.
ومن غير جزء كبير من نفسها.

دانيال وقف جنبها وقال:
ـ “إنتِ متأكدة إن ده المكان؟”

مريم هزت راسها:
ـ “مفيش غير قاعدة واحدة بالاسم ده.”

الراجل صاحب الشعر الأبيض ظهر وراهم وقال:
ـ “لأ… فيه أكتر من واحدة.”

مريم بصت له:
ـ “إنت عايز تقول إيه؟”

ابتسم وقال:
ـ “القاعدة اللي في دماغك مش هي اللي رايحين لها.”

مريم اتوترت:
ـ “أمال إيه؟”

الراجل أشار للشاشة:
ـ “الاسم متسجل كده عشان الطيار يشوفه ويفهم إنه عارف المكان… لكن الإحداثيات الحقيقية مختلفة.”

مريم قربت من الشاشة وبدأت تقرأ الأرقام، وبمجرد ما شافت الإحداثيات…
وشها اتغير:
ـ “دي مش قاعدة فالكون.”

دانيال سأل:
ـ “إيه المكان ده؟”

مريم ردت:
ـ “جزيرة.”
ـ “جزيرة إيه؟”
ـ “جزيرة عسكرية مهجورة في شمال الأطلسي.”

الراجل قال:
ـ “بالظبط.”

مريم بصت له:
ـ “إنت عايزنا نروح هناك ليه؟”

وقبل ما يرد…
سمعوا صوت ارتطام قوي من داخل قمرة القيادة.
دوم!

كل الركاب انتفضوا، والمضيفة جريت ناحية الباب:
ـ “إيه اللي حصل؟!”

الجزء السادس

مريم رفعت إيدها تمنع المضيفة من لمس باب قمرة القيادة:
ـ “استني.”

الصوت اللي جاي من جوه القمرة اتكرر:
دوم!
وبعدين سكت كل شيء.
لا إنذار.
لا صوت.
حتى صوت المحركات بدا كأنه أبعد من الأول.

مريم قربت ودنها من الباب، وسمعت نفسًا متقطعًا، وبعدين صوت خافت جدًا:
ـ “مريم…”

فتحت عينيها، ده كان صوت الكابتن:
ـ “كابتن؟ إنت كويس؟”

مفيش رد.
دانيال قال:
ـ “ابعدي.”

مريم بصت له:
ـ “لأ.”
ـ “مريم، لو اللي جوه مسلح—”
ـ “مش هو اللي قفل الباب.”

دانيال سكت.
مريم كانت بتبص للقفل الإلكتروني:
ـ “الباب اتقفل من نظام الطوارئ، مش من الداخل.”

دانيال قرب:
ـ “إنتِ متأكدة؟”
ـ “أيوه.”

وبعدين بصت للراجل صاحب الشعر الأبيض:
ـ “إنت كنت عارف ده؟”

الراجل رد:
ـ “كنت مستني أشوف إذا كنتِ لسه بتلاحظي التفاصيل.”

مريم قربت منه:
ـ “كفاية ألعاب. قول الحقيقة.”

الراجل تنهد وقال:
ـ “اسمي جاك هاربر.”

مريم اتجمدت.
الاسم وحده كان كفاية.
جاك هاربر كان قائد السرب اللي كانت مريم تابعة ليه قبل سبع سنين.
لكن حسب كل التقارير الرسمية…
جاك مات في حادث سقوط طائرة التدريب.

مريم قالت بصوت مرتعش:
ـ “إنت كنت القائد هاربر.”
ـ “أيوه.”
ـ “إنت عارف إنهم قالوا إنك مت.”
ـ “عارف.”
ـ “إنت سيبتهم يقولوا كده؟”

جاك بص لها بحزن:
ـ “لو كنت ظهرت وقتها… ناس كتير كانت هتتأذى.”

مريم قربت منه:
ـ “وزميلي؟”

جاك سكت.
ـ “جاوبني.”

قال بهدوء:
ـ “آدم ماكانش المفروض ينتهي بالطريقة دي.”

اسم آدم وقع على مريم كأنه ضربة.
آدم.
أقرب شخص ليها في السرب.
الشخص اللي مات قدام عينيها.
الشخص اللي فضلت سبع سنين مقتنعة إنها فشلت في إنقاذه.

مريم قالت:
ـ “إنت قلت إنه حصلت مشكلة.”

جاك هز راسه:
ـ “لأن ده اللي ظاهر.”
ـ “مين المسؤول؟”

وقبل ما يرد…
جاء صوت من السماعة، لكن المرة دي كان تسجيلًا مسجلًا مسبقًا بصوت آدم نفسه:
ـ “مريم… لو سمعتي التسجيل ده، يبقى الخطة فشلت.”

مريم حطت إيدها على فمها، ودموعها نزلت من غير ما تحس.
الصوت كمل:
ـ “وأهم حاجة… ما تثقيش في أي حد يقول لك إن اللي حصل كان مجرد صدفة.”

مريم بصت لجاك:
ـ “إنت كنت عارف إن التسجيل ده موجود؟”
ـ “أيوه.”
ـ “ليه ما وريتهوليش من سبع سنين؟”

جاك سكت.
مريم صرخت:
ـ “ليه؟!”

قال:
ـ “لأن التسجيل كان جزء من دليل أكبر.”
ـ “دليل على إيه؟”

جاك بص ناحية دانيال وقال:
ـ “على إن في حد من داخل القيادة كان بيسرب معلومات عن تحركاتنا.”

دانيال اتوتر:
ـ “إنت بتتهمني؟”
جاك رد:
ـ “أنا ما اتهمتش حد بعينه.”

مريم بصت لدانيال، وبعدين للجاك.
وفجأة…
جاء صوت طرق خفيف من داخل قمرة القيادة.
ثلاث خبطات.

مريم فهمت، ده كان كود استغاثة عسكري قديم.
حد جوه القمرة كان بيحاول يقول إنه واعي.

مريم قالت:
ـ “افتحوا الباب.”

المضيفة هزت راسها:
ـ “إزاي؟”

مريم أشارت إلى لوحة التحكم الجانبية:
ـ “فيه نظام فتح يدوي للطوارئ.”
ـ “بس ممنوع نستخدمه إلا بأوامر.”
ـ “لو استنينا، ممكن الخطر يكتسحنا كلنا.”

المضيفة نفذت تعليماتها، وبعد ثواني صدر صوت:
تك.
الباب اتفتح.

الكابتن كان واقع على الأرض وإيده على كتفه، والمساعد ما كانش موجود!

مريم جريت للكابتن:
ـ “إنت كويس؟”
قال بصعوبة:
ـ “المساعد…”
ـ “فين؟”
أشار للداخل:
ـ “هو اللي عمل كده.”

مريم اتجمدت:
ـ “المساعد؟”
هز راسه:
ـ “دخل فجأة… ضربني… وسيطر على الأنظمة.”

دانيال قال:
ـ “يعني هو اللي غيّر الوجهة؟”
الكابتن أومأ.

مريم دخلت القمرة وبصت على المقعد الفاضي، ثم قالت:
ـ “هو مش اختفى عبثاً.”
ـ “إيه؟”

أشارت للأرض، كان فيه أثر حذاء ومعاه بطاقة صغيرة سقطت من جيب المساعد.
مريم التقطتها وبصت للاسم، وتغير لون وشها.

دانيال قال:
ـ “مين؟”

مريم ما ردتش، ومدت له البطاقة.
دانيال قرأ الاسم وتجمد:
ـ “ده… اسم أخوكي.”

مريم رفعت عينيها وبصت للبطاقة بإيد مرتعشة:
ـ “أخويا الصغير كان بعيد عن المجال ده تماماً.”

جاك قرب منها وقال:
ـ “مريم…”
ـ “مين الشخص اللي كان بيسوق الطائرة أصلاً؟”

جاك قال:
ـ “مش متأكد، لكن الأكيد…”

وقبل ما يكملوا كلامهم، جاء صوت هادئ من آخر الطائرة:
ـ “أخيرًا فهمتي يا مريم.”

التفت الجميع، وكان واقف هناك…
رجل يبتسم بهدوء، وهو ماسك جهاز الاتصال في إيده، وقال:
ـ “دلوقتي نقدر نبدأ الجزء الحقيقي من الرحلة.”

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

4 من 4التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى