منوعات

1 تمن الغربة الكاتبة نرمين عادل همام

لكن قبل ما الكلام ده يخلص، حصلت حاجة أسوأ.
في الليلة دي الدنيا قلبت مطر.
دخلت  أمي…
لقيت  فاضي.
شنطتها الصغيرة وهدومها الاحتياطي اختفوا.
— أمي!
لفينا البيت كله.
مفيش.
اتصلت بمريم، وبالحاجة فاطمة، وبالجيران.
حتى سامح نزل الموتوسيكل وخرج يدور عليها وسط المطر.
بعد حوالي ساعتين، لقيناها تحت سقف البيت القديم.
كانت مبلولة للآخر، وحاضنة كيس بلاستيك فيه شوية هدوم.
جريت عليها.
— أمي، إنتِ بتعملي إيه هنا؟
بصتلي بعينين عمرهم ما هيتنسوا.
وقالت:
— لو مشيت، مش هتضطروا تتخانقوا أكتر. خليهم ياخدوا البيت، يبيعوه، يمشوا… اعمل اللي إنت عايزه يا ابني.
نزلت على ركبتي وحضنتها.
— لأ يا أمي. سامحيني. إحنا بنتخانق عشان بيت، ومش واخدين بالنا إن الشخص الوحيد اللي بقى من غير بيت هو إنتِ.
عيطت ساعتها زي ما ما عيطتش من يوم وفاة أبويا.
تاني يوم الصبح، أخدت أمي وروحت بيها عند مريم.
بيتها كان بسيط، بس فيه أوضة نضيفة، وشباك بيطل على كام زرعة جهنمية.
أمي نامت الليلة دي من غير ما تسمع صوت غسالة ورا الحيطة.
وساعتها أخدت القرار النهائي.
أنا مش هبيع البيت عشان أثبت إني جامد.
هبيعه لأنه ببساطة ما بقاش بيت.
سامح حاول يعمل حركة أخيرة.
بعد كام يوم، راح عند مريم، ونزل على ركبته قدام أمي وطلب منها تسامحه.
— ارجعي معايا يا أمي. والله هنتغير.
أمي ضعفت.
ووافقت تديله فرصة.
لكن تاني يوم ظهر مشتري جديد.
سامح قعد أمي في الصالة، وظبط لها المخدة، وبدأ يقدملها فاكهة، وبعدها قال للمشتري:
— زي ما حضرتك شايف، أمي عايشة هنا، وإحنا كلنا متفقين إن البيت يفضل بتاعنا. لو حضرتك اشتريت، ممكن تدخل في مشاكل عائلية.
مريم واجهته:
— سامح، إنت جاي عشان وحشتك أمك؟ ولا جاي عشان محتاجها تقعد هنا وتخوف بيها الناس اللي جاية تشتري؟
أمي سمعت كل حاجة.
قامت بالراحة.
وبصت لسامح وقالت:
— ما تقوليش يا حبيبي تاني. إنت ما افتكرتنيش غير لما حسيت إنك هتخسر البيت.
سامح اتهد.
وفي نفس الأسبوع، نادية لقت رسايل مرهونة مستخبية وسط هدومها، واتأكدت إن جزء من دهبها كان مترهون.
سامح لم هدومه وحزم شنطته ورجع على بيت أهل نادية.
الحاج فوزي ما سابهاش حتى تدخل البيت براحتها.
قالها:
— مشاكل الجواز تتحل جوه البيت. الناس هتقول إيه لما ترجعي لبيت أبوكي وإنتِ مطلقة؟
نادية وقفت على باب البيت وهي بتعيط.
الراجل اللي طول عمره بيعلمها إن أهم حاجة شكلهم قدام الناس، أثبتلها إن عنده بنت متجوزة تعبانة أهون بكتير من بنت مطلقة تخلي الناس تتكلم.
سامح كان وصل لآخره.
وفي يوم، راح بيت مريم.
المرة دي من غير خناقات، ولا دموع مصطنعة، ولا كلام كتير.
قعد قدام أمي وقال:
أنا في الأول كنت باخد جزء صغير من الفلوس. وكنت فاكر إني هرجعه. بعدين احتجت فلوس أكتر. وكل كڈبة كانت بتجيب وراها كڈبة تانية. وكنت خاېف سيد يعرف إني مش الراجل الناجح اللي كل الناس فاكراني عليه.
أمي سمعته في صمت.
وبعدين قالتله
يا ابني، إنت ما بقيتش فقير يوم ما الفلوس قلت.
وسكتت لحظة.
إنت بقيت فقير يوم ما بدأت تستبدل كرامتك ومحبة الناس ليك بالمظاهر.
سامح عيط.
المرة دي محدش جري عليه يطبطب عليه.
كان لازم يحس بثقل اللي عمله.
بعدها بفترة قصيرة، عمرو أكدلي أخطر حاجة.
بعض المصاريف اللي سامح حاططها في الملف كانت مبالغ فيها، ومصاريف تانية ما كانش فيه أي طريقة يثبت إنها اتصرفت فعلًا.
قاللي
نقدر نتحرك قانونيًا.
كان معايا كل الأدلة.
التحويلات.
إيصالات العلاج.
التسجيل.
التوكيل اللي أمي مضت عليه وهي تعبانة.
وكل الورق الخاص بالإصلاحات اللي سامح كان بيدعي إنها حصلت.
كنت عايز أفضحه.
وفي نفس الوقت، كنت عايز أسامحه.
ما كنتش عارف أنهي قرار هو الصح.
مريم قالتلي جملة رتبتلي أفكاري
إنك تسامح مش معناه إنك تعمل نفسك ما حصلش حاجة. وإنك تطلب إن الشخص يتحمل نتيجة غلطه، مش معناه إنك عايز تدمر حياته للأبد.
قررت أعمل اجتماع أخير.
كان موجود أمي، وسامح، ونادية، والحاج فوزي، ومريم، وعمرو.
حطيت كل الورق على السفرة.
وقلت
البيت هيتباع.
وبعدين بصيت لسامح
والموضوع ده مش للنقاش.
سامح وطى راسه.
قلت
بس قدامك اختيارين.
نرفع كل الورق للجهات المختصة، ونسيب الموضوع ياخد مجراه الطبيعي.
أو تتنازل كتابيًا عن أي مطالبة ليك بالبيت، وتعترف بكل الفلوس اللي أخدتها واستخدمتها، وتلتزم إنك تسددها من شغلك، وتعتذر لأمك من غير أعذار.
الحاج فوزي دخل في الكلام
إيه الاستعراض ده؟ عايز البلد كلها تعرف اللي حصل؟
بشكل مفاجئ، نادية قامت.
كفاية يا بابا!
كلنا بصينا لها.
قالت
إحنا وصلنا لحد هنا بسببك. طول عمرك بتعلمنا إن أهم حاجة نبين إننا ناجحين، حتى لو من جوا إحنا مش عايشين كويس.
وبصت لسامح.
أنا ضغطت على سامح عشان كنت خاېفة تقول إني اتجوزت واحد فاشل. وهو كڈب عشان يفضل مبهرنا.
وبعدين بصت لأبوها
ودلوقتي لسه كل اللي فارق معاك الناس هتقول إيه!
الحاج فوزي ما ردش.
سامح قام من مكانه، ومشي ناحية أمي، وحاول ينزل على ركبته قدامها تاني.
مسكته من دراعه.
لأ.
بصلي باستغراب.
يا أمي…
قالتله

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى