منوعات

1 تمن الغربة الكاتبة نرمين عادل همام

رجعت بلدي بعد عشر سنين غربة، وأول ما دخلت البيت سمعت مرات أخويا بتقول لأمي: «كلي تحت، الضيوف اللي فوق ناس مهمة»… طلعت لقيت السفرة مليانة أكل غالي، ونزلت لقيت أمي قدام طبق أكل بايت ورغيفين ناشفين.
أخويا حاول يبرر اللي حصل، لكني طلعت موبايلي وعملت مكالمة واحدة وقلت: «اعرضوا البيت للبيع»… وما كانش حد فيهم يعرف إن تسجيل مستخبي هيفضح إن اللي حصل لأمي ما كانش وليد الليلة دي.
— يا أمي، معلش كلي في المطبخ. السفرة دي معمولة لنادية وأهلها.
الجملة دي كانت أول حاجة سمعتها وأنا داخل البيت اللي أنا دفعت تمنه حتة حتة، بعد عشر سنين شغل وغربة في الخليج.
وقفت على باب الشقة وأنا ماسك شنطتي، ومش فاهم أنا بسمع إيه.

بصيت ناحية السفرة.
كانت متبهدلة من كتر الأكل. صواني محشي، وفراخ، ولحمة، ورز، وسلطة، وحلويات، ومشروبات ساقعة. نادية، مرات أخويا، كانت قاعدة وسط أهلها وإخواتها، بتضحك وتهزر وكأن البيت بيتهم.
أما أمي، الحاجة زينب، فكانت قاعدة لوحدها في المطبخ.
قدامها طبق فول بارد من اللي فاضل من الفطار، ورغيفين عيش ناشفين، وكوباية ميه.
بصيتلها وقلت:
— أمي؟ إنتِ بتاكلي هنا ليه؟
أول ما شافتني، قامت بسرعة وخبت الطبق بإيديها، كأنها خايفة أزعل منها.
— سيد… يا حبيبي، إنت جيت إمتى؟ أنا كويسة يا ابني، ما تعملش مشاكل.
قبل ما أقول حاجة، أخويا الصغير سامح نزل من الصالة.
— إيه يا سيد؟ لسه داخل وهتعمل مشكلة؟ أمي أصلًا مش بتحب الأكل ده، وبعدين هي بتحب تقعد هنا لوحدها.
بصيت لأمي.
— إنتِ قوليلي يا أمي… إنتِ اللي اخترتي تقعدي هنا؟
أمي بصت في الأرض وما ردتش.
وفجأة سمعت صوت نادية من ورايا:
— إنت غايب بقالك عشر سنين يا سيد. إحنا اللي كنا موجودين معاها طول الوقت. ما ترجعش دلوقتي تعمل فيها الابن البار عشان كنت بتبعت شوية فلوس.
بصيتلها.
— شوية فلوس؟
حسيت إن دمي بيغلي.
— أنا بنيت البيت ده عشان أمي.
نادية ضحكت باستهانة.
— ماشي يا سيدي. ولو إحنا مش موجودين، مين كان هيقف جنبها ويخدمها؟
بصيت للسفرة اللي عليها كل الأكل ده.
وبعدين بصيت لطبق الفول البارد اللي قدام أمي.
طول تلات سنين، كنت كل شهر أحوّل لسامح تمن تلاف جنيه عشان مصاريف أمي، غير فلوس الدوا، وأي تصليحات في البيت، وأي ظرف يحصل.
تمنتاشر ألف؟ لأ.
أنا كنت ببعت أكتر من كده بكتير.
مديت إيدي على موبايلي واتصلت بالمحامي بتاعي، عمرو.
— عمرو، عايزك تراجعلي ورق البيت كله. عقد الملكية والتسجيل وكل حاجة. ولو البيت لسه باسمي، عايز أبدأ إجراءات بيعه.
وش سامح اتغير.
— إنت اتجننت؟ هتبيع البيت وتطردنا عشان كام طبق أكل؟
بصيتله في عينه.
— لأ يا سامح. البيت ما خربش بسبب الأكل.
وسكت لحظة.
— البيت خرب يوم ما أمي بقى مالهاش مكان على سفرتها.
أمي بدأت تعيط.
— يا ابني والنبي ما تعمل كده. أخوك ومراته هيعيشوا فين؟
السؤال ده وجعني أكتر من كلام نادية.
بصيت لأمي وقلت:
— يا أمي… إنتِ الوحيدة هنا اللي مش لاقية مكان تعيشي فيه.
طلعت من المطبخ وروحت على طول لأوضة أمي.
الأوضة دي أنا كنت عاملها مخصوص ليها.
سرير كبير، دولاب، تسريحة، وشباك كبير بيطل على الجنينة الصغيرة اللي ورا البيت.
فتحت الباب…
وقفت مكاني.
الأوضة ما بقتش أوضة أمي.
كانت مليانة كراتين، وشنط، وحاجات نادية، وكرتين أكل، وأدوات مطبخ، وحاجات متكومة فوق بعض.
سامح وقف ورايا وقال:

الكاتبة نرمين عادل همام
— ما إحنا بنحط الحاجات هنا مؤقتًا. وبعدين أمي قالتلنا إنها مش محتاجة الأوضة.
لفيت له.
— أمال أمي بتنام فين؟
سكت.
محدش رد.
مشيت لآخر البيت.
جنب الغسالة، لقيت أوضة صغيرة أنا أصلًا ما كنتش أعرف إنها مستخدمة.
أوضة من غير شباك.
السقف فيه بقع رطوبة.
وسرير صغير محشور بالعافية جواها.
وعلى ترابيزة بلاستيك صغيرة كانت صورة أبويا الله يرحمه.
أمي كانت بتنام هنا.
أمي…
الست اللي أنا قضيت عشر سنين من عمري بعيد عنها، وشقيت واتغربت عشان أرجع لها وأعيشها أحسن عيشة…
كانت بتنام جنب الغسالة.
وأخويا حاطط حاجات مراته في الأوضة اللي أنا بنيتها لأمي.
تاني يوم الصبح، جارتنا الحاجة فاطمة، اللي ساكنة جنبنا من سنين، دخلت علينا.
واضح إنها سمعت جزء من الكلام اللي حصل.
بصت لسامح وقالت فجأة:
— هو إنت معاك فلوس تصرف على أمك أصلًا؟
سامح بص لها باستغراب.
فكملت:
— غريبة والله. ده إنت من شهرين كنت جاي تستلف مني ميتين جنيه عشان تجيب الدوا!
بصيت لسامح.
وشه اصفر.
وساعتها فهمت إن طبق الفول البارد، والأوضة الضيقة اللي فيها رطوبة، ما كانوش أسوأ حاجة.
أسوأ حاجة كانت إني أعرف الفلوس اللي أنا بعتها لأمي سنين طويلة…
راحت فين؟
لكن سامح ما كانش يعرف إن اللي هيكتشفه بعد كده…
هيكون أكبر بكتير من مجرد فلوس ضاعت.

في نفس اليوم، فتحت حسابي البنكي.
الأرقام ما بتكدبش.
خلال تلات سنين، كنت محوّل لسامح أكتر من ستمية ألف جنيه، ما بين مصاريف شهرية، وتصليحات، وحالات طوارئ.
حطيت اللابتوب قدامه.
— فهمني الفلوس دي راحت فين؟
سامح بلع ريقه وقال:
— الفلوس اتصرفت على البيت يا سيد. كهربا، وميه، وأكل، ودهانات، وعفش…
قاطعته:
— الكنبة جابها أهل مراتك.
سكت لحظة، وبعدين كملت:
— ولما بعتلك أربعين ألف جنيه عشان تصلح الرطوبة في أوضة أمي، إنت بالكاد حطيت شوية محارة على السقف.
سامح بدأ يعرق.
وقبل ما يلحق يخترع لي حجة تانية، دخلت مريم.
مريم كانت حبيبتي زمان، قبل ما أسافر وأشتغل في الخليج.
سافرت وأنا واعد نفسي إني هرجع أول ما أقدر أعمل حاجة أحسن، لكن السنين عدت، والسنة بقت عشرة.
مريم حطت كيس أدوية قدام أمي.
— جبتلك علاج الضغط يا حاجة زينب.
وبعدين ادتني علبة معدنية صغيرة.
فتحتها.
كان جواها روشتات، وتحاليل، وورقة دخول مستشفى من حوالي ست شهور.
أمي كانت دخلت المستشفى بعد ما أغمي عليها من شدة الضعف، ومع أزمة ضغط.
في الأسبوع ده، سامح كان كلمني في التليفون وقاللي:
— أمي تعبانة شوية، بس أنا معاها وبخلي بالي منها. ما تقلقش.
حسيت بالعار.
بس الغضب كان أكبر.
بصيت لمريم وقلت:
— ليه ما قولتيليش أي حاجة يا مريم؟
بصتلي في عيني وقالت:
— عشان أمك منعتني.
سكتت لحظة، وبعدين كملت:
— كنت خايفة تسيب شغلك وترجع. بس ما تسألنيش أنا ليه ما قلتلكش. اسأل نفسك إنت ليه طول العشر سنين ما حاولتش تعرف مين اللي كان بيروح مع أمك للدكتور.
ما عرفت أرد.
وفي نفس الليلة، جتلي ضربة تانية.
عمرو، صاحبي المحامي، اتصل بيا.
قاللي إن البيت لسه ملكي بالكامل.
لكن سامح كان راح يسأل من كام شهر إزاي يثبت إنه هو اللي كان بيدير البيت وبيصرف عليه وبيعمل فيه إصلاحات بقاله سنين.
وفوق ده كله، لقينا توكيل أمي كانت موقعة عليه.
لما وريتهولها، عقدت حواجبها وقالت:
— سامح جابهولي وأنا كنت تعبانة. قاللي إنه محتاجه عشان يخلص إجراءات في العيادة. كنت دايخة… ومضيت في المكان اللي هو أشارلي عليه.
بصيت لأخويا.
— إنت كنت عايز تساعدها؟ ولا كنت بتجهز ورق عشان تضمن البيت لنفسك؟
سامح وطى راسه.
وسكوته كان كفاية.
تاني يوم جمعتهم كلهم.
حطيت على السفرة طبق فول بارد ورغيفين عيش ناشفين.
وبصيت لسامح.
— كل يا سامح.
بصلي باستغراب.
— إيه الهبل ده؟
— ده الأكل اللي أمك كانت بتاكله وإنت قاعد فوق بتستعرض بالأكل قدام أهل مراتك.
الحاج فوزي، أبو نادية، خبط بإيده على السفرة وقال:
— كفاية! إحنا كمان صرفنا فلوس في البيت ده. لو عايز تبيع، رجّع لنا الأول كل اللي دفعناه.
عمرو طلب منه الفواتير.
بدأت تظهر إيصالات من غير تاريخ، وورق مكتوب بخط الإيد، وإيصالات أصلًا مش مطابقة لحاجات حصلت في البيت.
سامح اتحشر.
وساعتها عمل أقسى حاجة ممكن يعملها.
لف ناحية أمي وقال:
— قولي لها حاجة يا أمي. لو سيد باع البيت، نادية هتسيبني. عايزاني أترمي في الشارع؟
أمي بدأت تترعش.
وقبل ما ألحق أعمل أي حاجة، نزلت على ركبتها قدامي.
— سيد… والنبي يا ابني. ما تعملش كده. اعملها عشان أخوك.
جريت عليها وشيلتها من على الأرض، وعيني مليانة دموع.
— عايزاني أسيب البيت للناس اللي خلوكي تنامي جنب الغسالة؟
سامح حتى ما حاولش يساعدها.
في الليلة دي، قررت إن مفيش حاجة هتغير قراري.
لكن الساعة 11 بالليل، عمرو بعتلي مستند تاني.
سامح ما كانش بس بيسأل إزاي يطالب بحقه في البيت.
ده كان مقدم ملف بيقول فيه إن فيه تجديدات في البيت بمئات الآلاف من الجنيهات، ومعاه مصاريف وأرقام ما لهاش علاقة باللي حصل فعلًا.
بصيت للمستند وأنا مش مصدق.
لو الكلام ده طلع زي ما باين…
يبقى أخويا ما كانش بس بيخبي الفلوس.
ده بدأ يألف حكاية كاملة عشان يقدر يحتفظ بجزء من البيت.
وعمرو كان لسه لاقي الدليل اللي ممكن يهد كل حاجة.
تاني يوم الصبح، وقبل ما أواجه سامح، وصلت الحاجة فاطمة وهي ماسكة موبايلها في إيدها.
قالتلي:
— يا سيد، اسمع التسجيل ده الأول.
التسجيل كان من زيارة قديمة لأهل نادية.
وصوت مرات أخويا كان واضح جدًا.
— يا حاجة زينب، معلش كلي تحت في المطبخ. فيه شوية ناس من أهلي جايين، وناس مهمين كمان. إنتِ عارفة القعدات دي بتبقى عاملة إزاي… وبالهدوم دي كمان هيبدأوا يسألوا أسئلة.
وبعدين جه صوت سامح:

السابق1 من 4
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى