
جوزي لما عرف إني كسبت قضية التعويض اللي رافعة فيها سنين، والمحكمة حكمتلي بـ ٩٠٠ ألف جنيه، وشه جاب ألوان ومبقاش على بعضه. قالي بمنتهى الأنانية والتهديد: “الفلوس دي تتسحب وتتحط في مشروعي الجديد، أنا أولى من الغريب، وإلا إنتي عارفة هعمل إيه فيكي وفي العيال”. طبعاً وقفتله ورفضت. وتاني يوم كلمني وهو بيضحك بانتصار وشماتة: “أنا سحبت الفلوس كلها بتوكيل بنكي.. خلي المحاكم تنفعك بقى وانزلي اشحتي!”
بس أنا بدل ما ألطم وأصوت.. ضحكت لحد ما دمعت.
لأن الغبي مكنش يعرف إنه شرب المقلب، وإن الفلوس اللي سحبها دي هتكون السبب في هلاكه…
الرسالة جاتلي وأنا برتب هدوم العيال.. (تم إيداع مبلغ ٩٠٠,٠٠٠ جنيه). دي كانت فلوس تعويض عن حادثة والدي الله يرحمه، فلوس دفعت فيها سنين من عمري في المحاكم ومحامين عشان أأمن بيها مستقبل بناتي وأجبلهم شقة تلمهم.
“عصام” جوزي عمره ما كان سند. دايماً عينه في قرشي، وأي حاجة أجيبها يقولي “إحنا واحد، وفلوسك هي فلوسي”، رغم إنه مبيصرفش مليم على البيت. بس المرة دي المبلغ كان كبير، وعينه طلعت عليه.
بليل وهو بيقلب في تليفوني، شاف رسالة البنك. عينه برقت وقام وقف زي الملسوع وبصلي بصدمة: “التعويض نزل؟ ٩٠٠ ألف بحالهم في حسابك؟”
قلتله بجمود وأنا بسحب التليفون من إيده: “أيوة، ودول هشتري بيهم شقة باسم البنات عشان الزمن.”
زعق وكسر الكوباية اللي كانت في إيده على الأرض: “شقة إيه وبنات إيه! الفلوس دي هتتحول الصبح لحسابي عشان أخلص بيها ورق الأرض بتاعتي اللي واقفة. إنتي ناسية إني الراجل هنا ولا إيه؟”
قلتله بقوة لأول مرة في حياتي: “لو انطبقت السما على الأرض، الفلوس دي مش هتاخد منها مليم. ده تعويض أبويا وتعب سنين، ومستقبل عيالي.”
بصلي بنظرة كلها غدر وقالي وهو بيجز على سنانه: “هنشوف يا ياسمين.. هوريكي مين اللي كلمته هتمشي ومين اللي هيتربى.”
ساب البيت ونزل وهو بيشتم.
تاني يوم صحيت ملقتهوش، دورت على محفظتي وبطاقتي ملقتهمش. قلبي اتقبض وحسيت إن في هتحصل.
على وقت الضهر تليفوني رن، كان هو. رديت، لقيته بيضحك بصوت عالي كله شماتة وغل: “مش قولتلك أنا اللي كلمتي هتمشي؟ أنا رحت البنك، وبمعارفي والتوكيل العام اللي كنتي عملاهولي من زمان ومألغتهوش، حولت الـ ٩٠٠ ألف كلهم لحسابي، ومضيت على الاستلام. اخبطي راسك في أتخن حيطة، وأعلى ما في خيلك اركبيه يا هانم!”
أنا في الوقت ده، كنت قاعدة في كافيه هادي جنب مجمع المحاكم، ماسكة كوباية شاي دافية، وبستمع للأستاذ فريد وهو بيكتب المحضر الرسمي بتمكين شقة وتأمين حق البنات، وبيرفع دعوى طلاق للضرر مرفقة بكل إثباتات التهديد والابتزاز اللي عصام مارسها عليا على مدار السنين.
الشمس كانت بدأت تغرب، والسماء أخدت لون أصفر جميل.. حسيت إن روح أبويا الله يرحمه مرتاحة، إن تعبه وسنين قضيته ما راحتش لواحد نذل وطماع. عصام افتكر إن القوة في التهديد وفي الصوت العالي وفي السرقة.. وما عرفش إن ربنا لما بياخد حق المظلوم، بياخده بتدبير لا يخطر على بال بشر.
فجأة، جالي إشعار جديد على تليفوني.. المرة دي مش من البنك، المرة دي كانت رسالة نصية من رقم عصام، بس المرة دي ما كانش فيها تهديد ولا شماتة.. كانت رسالة بصوت مكسور، كاتب فيها كلمات متقطعة بتترجى الرحمة…
لكن قطار الرحمة كان خلاص فات، والستارة بدأت تترفع على الفصل الجديد اللي هيدفع فيه عصام ثمن كل لحظة قهر عاشها غيره!




