أخبار العالم

حجّ في السماء قبل أن يحجّ في الأرض قصة الرجل الذي باع حلمه ليُنقذ طفلاً

كانت الأجواء هادئة في صالة الانتظار بمطار جدة الدولي وكان صوت أذان المغرب ينساب في الخلفية بإحساس عجيب لا يفهمه إلا من ودع بيت الله الحرام بعد أداء مناسك الحج. جلس الحاج عبد الرحمن رجل خمسيني الملامح يضع شماغه على كتفه بعدما خفف من ثيابه استعدادا للعودة إلى دياره بعد حج هو العاشر في تاريخه.

 

على كرسي مجاور جلس رجل يبدو عليه التواضع والبساطة يحمل حقيبة خفيفة وعيناه تنظران إلى الأرض وكأن بها سرا دفينا.
ابتسم الحاج عبد الرحمن بلطف وبادره قائلا
حجا مبرورا وسعيا مشكورا تقبل الله طاعتكم.
رفع الرجل رأسه وابتسم ابتسامة خفيفة وقال بصوت هادئ
آمين وإياكم يا أخي.
ثم سأله عبد الرحمن
أول مرة تحج
هز الرجل رأسه وقال
نعم هي الأولى وربما الأخيرة.
قالها بنبرة فيها شيء من الحنين شيء من الألم شيء من الحمد.
ابتسم الحاج عبد الرحمن وقال
أما أنا فهذه عاشر مرة أحج وأحمد الله على هذه النعمة.
ما شاء الله اللهم لا حسد ربنا يتقبل ويزيدك من فضله قالها الرجل بهدوء.
شعر عبد الرحمن بالفضول فسأله
يبدو أن لك قصة حجك الأول لا يشبه حجي العاشر تحب تحكي لي وقتنا طويل بانتظار الرحلة.
تنهد الرجل ونظر بعيدا ثم قال
إن كنت مصرا فاسمع فقصتي بدأت من الألم

وانتهت بعطاء لا حدود له من الله ولا زالت مستمرة.
اسمي سعيد وعمري خمس وخمسون عاما عملت معالجا فيزيائيا في أحد المستشفيات الخاصة أكثر من ثلاثين عاما. لم أكن من الأغنياء لكن كنت ممن يرضى بالقليل وأعيش على ما قسمه الله لي.
كل سنة كنت أحلم بالحج وأقول إن شاء الله العام المقبل لكن الظروف أقوى والمتطلبات أكثر.
زوجتي مريضة سكري وضغط وعندي بنتان في الجامعة وابن في المدرسة.
كنت أدخر شيئا بسيطا من راتبي كل شهر. ريالات قليلة لكن في قلبي أمل كبير.
ظللت على هذه الحال سنوات طويلة حتى جاء العام الذي جمعت فيه كامل كلفة الحج.
وقفت أمام مرآتي نظرت إلى نفسي ودموعي تنهمر
أخيرا سأزور بيت الله سأرى الكعبة سأبكي بين الركن والمقام.
وفي يوم ذهابي إلى المستشفى لأخذ مستحقاتي المالية حدث ما لم يكن في الحسبان
في بهو المستشفى رأيت أم أسامة امرأة خمسينية كنت أتابع حالة ابنها منذ أكثر من عام.
أسامة شاب صغير أصيب بشلل جزئي بعد حادث سير وكانت حالته تتطلب علاجا فيزيائيا طويل الأمد.
اقتربت مني وجهها شاحب عيناها غارقتان في الدموع.
قالت
أخ سعيد أنا آسفة هذه آخر زيارة لنا للمستشفى.
قلت لها
لماذا هل هناك شيء هل غير راضين عن العلاج! حالته تتحسن!
أطرقت

رأسها وقالت
لا والله شهادتي فيك مجروحة. أنت أحن عليه من والده. لكن زوجي فصل من عمله ولم نعد نستطيع دفع تكاليف العلاج.
وغادرت وهي تجر ابنها على الكرسي المتحرك ودموعها تسبق خطواتها.
وقفت مذهولا أشعر بثقل في صدري لحظة لا تنسى.
عدت إلى مكتبي لم أستطع الجلوس.
طرقت باب المدير وتوسلت إليه
هذه حالة إنسانية لا يمكن قطع العلاج عنها.
أجابني ببرود
هذه مؤسسة خاصة ولسنا جمعية خيرية.
خرجت من مكتبه وكأن الأرض ضاقت بي بما رحبت.
وضعت يدي على جيبي حيث ظرف النقود أموال الحج حلم العمر.
نظرت إلى السماء وقلت
يا رب أنت أعلم بحالي وأنا أحب بيتك ولكن قلب الأم المكلومة لا يقارن بشوقي.
ذهبت إلى قسم المحاسبة وسددت المبلغ المتبقي لعلاج أسامة لستة أشهر مقدما وطلبت منهم إبلاغ الأم بأن المستشفى تكفل بعلاج ابنها من ميزانية خاصة.
ثم خرجت قلبي مكسور لكن فيه نور عجيب راحة لم أشعر بها من قبل.
في تلك الليلة نمت باكيا شعرت أنني خسرت شيئا كبيرا لكن كان في داخلي صوت يقول لي ربك لا ينسى.
رأيت في المنام أنني أطوف حول الكعبة وأناس كثيرون يسلمون علي ويقولون
حجا مبرورا يا حاج سعيد لقد حججت في السماء قبل أن تحج على الأرض
دعواتك لنا يا حاج سعيد
استيقظت والدموع

على وجهي شعرت بسعادة عميقة لا توصف وكأنني فعلا كنت هناك في مكة في حضرة الله.
قلت في نفسي
يا رب هذا يكفيني رأيت بيتك في المنام وحججت بروحي.
ولكن المفاجأة لم تتأخر
في صباح اليوم التالي رن الهاتف.
كان مدير المستشفى!
قال لي
أخ سعيد أنجدني صاحب المستشفى يريد الذهاب إلى الحج هذا العام وهو لا يسافر إلا مع معالجه الخاص لكن المعالج اعتذر لأن زوجته على وشك الولادة.
هل تذهب مكانه
سكت قليلا لم أصدق ما أسمع ثم قلت
نعم نعم أذهب!
قال
جزاك الله خيرا هو سيسجلك على نفقته الخاصة كل شيء مدفوع وتعتبر إجازة مدفوعة أيضا.
سجدت شكرا لله دموعي على السجادة سبحانك يا رب ما أكرمك!
سافرت مع صاحب المستشفى وكنت أؤدي عملي كمعالج بكل أمانة.
أحبني الرجل كثيرا وفي ختام الرحلة قال لي
ما رأيك في مكافأة لقد أبدعت في خدمتي.
أعطاني مبلغا مجزيا ثم قلت له
هل تسمح لي بقصة قصيرة
ورويت له عن أم أسامة وكيف تصرفت وكيف رزقني الله بالحج بعدها.
بكى الرجل وقال لي
ابن تلك السيدة يعالج في مستشفانا مدى الحياة على نفقتي الخاصة. وسأخصص صندوقا في المستشفى لعلاج الفقراء.
وأضاف
وأين يعمل زوجها
قلت
عاطل حاليا.
قال
أعطني رقمه سيعمل عندي من الغد في إحدى شركاتي.
عدت إلى

البيت ومعي كل ما دفعت وزيادة.
انتهى سعيد من سرد قصته والحاج عبد الرحمن

يبكي بصمت.
ثم وقف وقبل رأسه وقال
والله ما شعرت بخجل في حياتي مثل هذا اليوم حججت عشر مرات ولم أفعل شيئا مما فعلت.
ذهبت أنا إلى بيت الله أما أنت فالله دعاك.
وهما يغادران الصالة قال سعيد
أرأيت كيف يجازي الله من آثر غيره
من ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه.
بعد عودتي من الحج وأنا أراجع كل ما حدث أيقنت أن الله لا يغلق بابا على عبد صادق إلا ليفتح له أبوابا لم يكن يحلم بها.
ما قدمته لذلك الطفل لم يكن كثيرا لكنه كان من القلب. وحين يعطي القلب يعطي الله فوق ما يتصور.
عدت إلى عملي وكانت المفاجأة أن صاحب المستشفى قد أصدر قرارا بتعييني مديرا لقسم العلاج الطبيعي. لم أطلب المنصب ولم أكن يوما ممن يلهثون خلفه لكنه الرزق حين يأتيك لأنك نويت الخير.
وفي ذات اليوم دخلت أم أسامة إلى مكتبي وكانت تحمل طبقا من الحلوى ودموعها لا تتوقف وقالت
ابني بدأ يمشي يا أستاذ سعيد والله بدأ يمشي!
ثم انحنت تقبل يدي فانتفضت وأنا أقول
لا تفعلي ذلك أنا فقط كنت سببا ولكن من شفا هو الله.
في ليلة من ليالي شكر الله وأنا أصلي دخل ابني

الصغير مالك إلى الغرفة وجلس ينتظرني بصمت.
بعد الصلاة قلت له
ماذا بك يا بني
قال
بابا أنا فخور بك!
لماذا
لأني سمعت القصة من ماما وسمعت أنك تبرعت بفلوس الحج علشان ولد ما تعرفوش وربي كافأك بالحج هدية.
حضنته بقوة وقلت له
افعل الخير يا بني ولو كنت تظن أنه سيضيع فإن الله لا يضيع أجر المحسنين.
منذ ذلك اليوم أصبح ابني يقول لأصدقائه بفخر
أبويا حج وهو نايم وحج من غير ما يدفع ريال!
كان لدي زميل يعمل في نفس المستشفى. غني جدا يركب أفخم السيارات ويملك عدة شقق ومشاريع.
حين علم بما حدث جلس معي وقال
أخ سعيد كيف ضحيت بفلوسك كده ده جنون!
ابتسمت وقلت له
من يبيع حلمه لإنقاذ حياة سيشتري الله له أضعاف ما باع.
مرت سنوات وظل زميلي يسافر ويحج كل سنة تقريبا لكنه اعترف لي بعد ذلك
كل ما أرجع من الحج أحس إن قلبي ناقص وكأنني زرت بيت الله بجسدي فقط أما أنت حججت بروحك أولا.
بعد سنوات من تلك الحادثة وفي حفل تكريمي نظمته إحدى الجمعيات الخيرية تم اختياري ضمن المكرمين على مستوى المملكة.
ليس لأنني طبيب ناجح فقط بل لأنني اخترت

أن أكون إنسانا قبل كل شيء.
وقف المذيع على المسرح وقال أمام الحضور
ومن بين مئات المرشحين اخترنا الأستاذ سعيد يوسف لأنه علمنا أن التضحية ليست فعلا بطوليا فقط بل رسالة ربانية لمن أحب الله بصدق.
بكيت وأنا أستلم الدرع وشعرت أن الله يعطيني إشارات من السماء تقول لي
أنا لا أنسى فقط أصبر وسأريك من فضلي ما يدهشك.
وفي سنة من السنوات أصبت بانزلاق غضروفي حاد وبات من الصعب علي الحركة.
تم نقلي إلى أحد المستشفيات الكبرى وهناك أدخلت إلى غرفة العلاج الفيزيائي لأجد أمامي شابا يقول لي بابتسامة واسعة
الدكتور سعيد!
نظرت إليه لم أميزه في البداية ثم قال
أنا أسامة الطفل اللي علجتني من سنين وجيت أكون مثلك.
ابتسمت والدموع تملأ عيني وقلت له
الآن أنا المريض وأنت المعالج!
قال
دعني أرد لك شيئا بسيطا من ما قدمته لي أنت السبب في كل ما أنا عليه.
سبحان الله من ساعد يساعد ومن رحم يرحم.
في ليلة من ليالي رمضان بعد التراويح جلست وحدي في المصلى أناجي ربي
يا رب كم من أبواب فتحتها لي وأنا لا أستحق فقط لأنني وضعت إنسانا قبلي.
سمعت

صوت الإمام يتلو
وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيرا وأعظم أجرا.
أغلقت عيني وقلت في قلبي
اللهم اجعل كل من ساعد إنسانا خالصا لوجهك أن يرى البركة في عمره وعافيته وولده وماله.
لم تكن قصتي رحلة إلى مكة فقط بل كانت رحلة داخل النفس.
تعلمت أن من يترك شيئا لله يعوضه الله بأفضل مما يتخيل.
تعلمت أن الإنفاق الحقيقي ليس في الزائد بل حين تعطي من حاجتك.
وأن الرحمة لا تحتاج مالا كثيرا فقط قلبا حيا.
واليوم وبعد مرور أعوام على تلك الحادثة كلما نظرت إلى الكعبة من جديد أردد
اللهم إنك أكرمتني بحج في السماء ثم فتحت لي أبواب الأرض.
اللهم اجعلني من عبادك الذين يزرعون الرحمة ولو بكلمة ولو بابتسامة ولو بريال.
إلى كل من ظن أن الخير يضيع إلى كل من تردد في العطاء وهو محتاج
اعلم أن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا.
واعلم أن المال قد يبني بيتا لكنه لا يبني القلوب أما العطاء فهو مفتاح السماء طريق للبركة وأساس لرضا ربك عنك.
ربما تتخلى عن حلمك لأجل إنسان لكن الله سيعيد إليك الحلم بأجمل مما تمنيت.
سيجعل من قصتك

نورا ومن دمعتك دعاء مستجابا ومن صبرك نهرا لا ينضب من الخيرات.

زر الذهاب إلى الأعلى